إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٦ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
في أوقات السلم، و في أوقات الحرب .. فوق ثبج النصر، و تحت وقع الهزيمة في سرائه، و في ضرائه لا يستولي على تفكيره، و على ضميره، و على شعوره سوى تقوى اللّه سبحانه. و حتى و هو يكتب إلى عمرو بن العاص الذي انحاز إلى صف معاوية، و بات يشكل خطرا حقيقيا على جبهة الإمام، لا نلتقي بالإمام يمني عمرا بدنيا، و لا يستميله إلى هوى نفس السلاح الذي كان معاوية يكسب به الأنصار بل نبصره يصدع عمرا بالحق في غير مساومة، و لا مجامل. إنه يناشده تقوى اللّه لا غير، هذه التقوى التي تجري من ابن أبي طالب مجرى الدم،
فيقول له في كتابه إليه: من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص .. أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها و صاحبها مقبور فيها و مهموم عليها لم يصب منها شيئا قط، إلا فتحت له حرصا، و إلا أدخلت عليه مئونة تزيده رغبة فيها و لن يستغني صاحبها بما ناله عما لم يبلغه، و من وراء ذلك فراق ما جمع و السعيد من وعظ بغيره، فلا تحبط أجرك أبا عبد اللّه، و لا تجارين معاوية في باطله، فإن معاوية غمط الناس، و سفه الحق.
إنه يرفض أن تحدد علاقات الناس به، أو علاقاته بهم منفعة أو غرض.
حتى في أحرج ساعات حياته، يمعن في الرفض و في الاستغناء. إنه يؤمن بأن الحق مقدس و أنه أجل من كل ثمن. و لا شيء على وجه الأرض يمثل الحق في يقينه مثلما يمثله الإسلام. من أجل ذلك نذر حياته لقضية الإسلام منذ عمره الباكر. و عاش عمره المسلم يتنفس النقاء، و الصدق، و الاستقامة.
ليس في حياته كلها وقفة واحدة مع المساومة، أو المداجاة، أو الالتواء .. و لعله لو شاء لكان داهية لا يشق له غبار فحدة ذكائه، و اتقاد بصيرته يعطيانه من الدهاء ما يريد.
لكنه تخلى عن كل مواهب الرجل الداهية و أحل مكانها كل مواهب الرجل الورع.
إن فهمه لحقيقة الإسلام. و إن ولاءه الوثيق له قد حملا حياته من الأعباء فوق ما تطيق. و لقد كان بعض جهاده و بلائه كفيلا بأن يبوءه مكانه العالي بين الأخيار الصادقين. و لكن الرجل الذي وصفه الرسول بأنّه مخشوشن في سبيل اللّه قد أخذ نفسه بعزائم الأمور، و ناط قدرته و طاقته بالمستحيل، و نذر للإسلام حياة استقلها، فراح