إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٢٥٧ - مستدرك زهد علي عليه السلام و عدله
يأكله. و في المسيح عيسى بن مريم الذي كان يلبس الخشن و يأكل الجشب دابته رجلاه، و خادمه يداه.
تلك هي المنازل العلى التي يحلق عندها البطل الزاهد الأواب و هو لهذا لا يعدل شيئا بجشب الطعام و خشن الثياب.
لقد كانت هوايته الكبرى، إهانة الدنيا، و إذلال مغرياتها الهائلة بأن يرفع في وجهها يدا لا تهتز و لا تختلج، تقول لتلك المغريات: لا. فلما ولى أمر المسلمين، و صار لهم خليفة و أميرا، تحولت الهواية إلى واجب.
أجل آنئذ لم يعد نبذ الدنيا و إذلال سلطانها و إغرائها مجرد هواية لبطولته، أو رياضة لروحه. بل صارت واجبا تفرضه مسئوليات الحكم، و تبعات القدوة، و آنئذ سمعناه
يقول: أ أقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين، ثم لا أشارك المؤمنين في مكاره الزمان .. و اللّه لو شئت لكان لي من صفو هذا العسل، و لباب هذا البر، و مناعم هذه الثياب و لكن، هيهات أن يغلبني الهوى، فأبيت مبطانا و حولي بطون غرثى و أكباد حرى.
هو إذن مقيم لم يرحل يعلم الناس في كل جيل و عصر، أن الولاء للحق أثمن تكاليف الإنسان .. و يعلم الحكام في كل جيل و عصر، أن الولاء للحق يعني رفض إغراء الدنيا، و رفض غرور السلطان.
و هو مقيم لم يرحل .. يجد عصرنا هذا في نهجه و حكمه أستاذا و معلما و هاديا.
فاليوم، حيث تعبي الحضارة كل قواها لمحاربة الفقر، و إرباء الكفاية، و توزيع العدل، نجد أمير المؤمنين عليا يدرك من قرابة ألف و أربعمائة عام بؤس الفقر و وظيفة المال إدراك الحاكم المسئول، لا إدراك الواعظ المتمنى.
انظروا ها هوا ذا ناسك لم يمنعه نسكه، و زهده عن أن يعرف ضراوة الفقر و بؤسه و عداءه لتقدم الروح و الضمير
فيقول قولته الباهرة: لو كان الفقر رجلا لقتلته.
و ها هو ذا يبدأ الساعات الأولى من حكمه و خلافته بوقف تضخم الثروات التي سببها التمييز في الأنصبة و العطاء بين الذين أسلموا قبل الفتح، و الذين أسلموا بعده