إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٢ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
ضاربة حامية و يتمكن منه سيف علي بضربة تطرحه أرضا، و هو يتلوى من الألم.
و بينما علي يتهيأ ليجهز عليه بضربة قاضية ينحسر جلباب الرجل فتنكشف عورته، فيغمض علي عينيه، و يغض بصره و يثنى إليه سيفه و يعود إلى مكانه في الصف.
و يسأله المسلمون: لما ذا لم تجهز عليه؟ و يجيبهم: لقد استقبلني بعورته، فعطفتني عنه الرحم.
إن شرف المقاتل خلق لا ينساه علي أمام النصر، و أمجاد الظفر. و لقد عرف عنه ذلك دائما، فراح أعداؤه يلمسون منه هذا الوتر كلما رأوا المنايا تهوى عليهم من سيفه الوثيق.
إن الأبطال الأصلاء العظماء، لا ينشدون النصر مجرد النصر. إنما هم ينشدون النصر عفا، شريفا، عادلا فإذا لم يأتهم النصر موشى بهذه الفضائل، فلا خفقت راياته، و لا دقت طبوله.
و سنرى و نحن نتتبع مشاهد البطولة في حياة الإمام، كيف كان حرصه الشديد على شرف المقاتل آثر و أبقى من كل غلبة و من كل انتظار.
و من المفارقات العجيبة لشخصيته، أن براعة المقاتل فيه، كانت تزلزل خصومه خوفا و هلعا في حين شرف المقاتل فيه، كان يملأ نفوسهم طمأنينة و أمنا.
أجل لطالما تحولت نقمته على أعدائه إلى رحمة بهم بسبب إيمانه الحق بأن القتال الشريف، النبيل، العادل، هو وحده سبيل الرجال، إذا اضطروا لقتال.
بعد أن تحقق له النصر في موقعة الجمل، و قبل أن تبدأ موقعة صفين و كان لا يزال يرجوا أن يفيء معاوية إلى الحق، على الرغم من كل الشواهد التي كانت تنبئ بإصراره على موقفه و إعداده العريض للحرب و القتال يومئذ علم الإمام أن اثنين من كبار أنصاره يجهران بشتم معاوية، و لعن أهل الشام هما، حجر بن عدي و عمر بن الحمق، فأرسل إليهما آمرا أن يكفا عن هذا الشتم و هذا اللعن، فقدما عليه و سألاه: يا أمير المؤمنين! ألسنا على الحق، و هم على الباطل؟ أجابهم الإمام: بلى، و رب الكعبة. قالوا: فلم تمنعنا من شتمهم و لعنهم؟ قال الإمام: كرهت لكم أن تكونوا