إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ٣٢٤ - مستدرك شجاعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام
لا شيء من ذلك سيكون و لا شيء من ذلك سيخفف من وقع النهاية التي ستختارها قريش لمن يمثل دور الرسول عليها حتى يخدعها عنه، و حتى يرد كيدها العاتي ترابا في تراب. فمن أي طراز، سيكون هذا الفدائي العظيم و من أي ناحية، سيجيء البطل إنه من بيت النبوة يجيء، إنه سليل بني هاشم و تلميذ محمد، إنه ربيب الوحي، و سابق المسلمين، إنه علي يفاجئ قريشا فليسؤ على يديه صباحها كما ساء بخروج النبي ممساها.
على أن مهمة علي رضي اللّه عنه، لم تكن مقصورة على المبيت مكان الرسول و المكر بقريش حتى يغادر الرسول مكة، بل كان لها جانب آخر يتطلب نفس القدر من الفدائية و البذل و التضحية، ذلك هو قيامه برد الأمانات و الودائع التي كان الرسول يحتفظ بها لذويها من أهل مكة.
لقد تلقى علي من الرسول كل هذه الودائع و تلقى منه أسماء أصحابها و كان عليه أن يذهب إليهم دارا دارا و فردا فردا و يعطى كل إنسان أمانته. دون أن ينيل قريشا منه فرصة تحول بينه و بين إنجاز مهمته كلها.
و لقد قام البطل و الرجل بالمهمة على خير وجه، و حفظه اللّه و رعاه و صدق وعد الرسول له حين
قال و هو يودعه: لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم.
و بعد أيام ثلاثة، قضاها الفتى الوثيق بمكة، يرد الأمانات إلى ذويها، ركب الصحراء مهاجرا إلى اللّه و رسوله.
وحده، خرج مجتازا نفس الطريق الذي خرجت عليه قوات قريش تطارد الرسول و الصديق، و تطلبهما بكل جهد و ثمن. وحده، خرج علي في رباطة جأش تجل عن النظير و في إيمان مطلق جعل عزمه يتألق مضاء و تهللا. و بعد أيام و ليال، كان هناك في قباء ينزل مع الرسول في نفس الدار التي أعدت له عليه السّلام. دار كلثوم بن هدم، أخو بني عمرو بن عوف.
و بعد أيام، ينتقل مع الرسول إلى المدينة دار الهجرة و عاصمة العالم الجديد الذي جاء محمد ينشئه و يبنيه على دعائم الإيمان، و الحق، و العدل، و الرحمة و السّلام.