إحقاق الحق و إزهاق الباطل - التستري، القاضي نور الله - الصفحة ١٣ - مستدرك ترجمة الامام علي عليه السلام
الرغبة، كما تعملون له في الرهبة .. ألا و إني لم أر كالجنة نام طالبها و لم أر كالنار نام هاربها. ألا و إن من لم ينفعه الحق، ضره الباطل ... و من لم يستقم به الهدى، حاد به الضلال. ألا و إن الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر و الفاجر .. و إن الآخرة وعد صادق، يحكم فيها ملك قادر .. و إن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى و طول الأمل .. فإن اتباع الهوى، يصد عن الحق .. و إن طول الأمل، ينسي الآخرة.
فلتأت الأحداث و الأهوال عاصفة، تقتلع الجبال من حول الإمام، فإنه لن يتبع الهوى أبدا. فإن اتباع الهوى يصد عن الحق. و لتبذل الدنيا له كل نفسها و زينتها، و بهجتها، و إغرائها، فإنه لن يربطها به أمل و لا رجاء. فإن طول الأمل، ينسى الآخرة.
و هو رضي اللّه عنه لا يريد أن يتوه عن الحق، و لا يريد أن ينسى الآخرة. فالحق حياته و الآخرة داره.
على أن زهد ابن أبي طالب في الدنيا، و عزوفه عنها ليس زهد الهاربين من تبعات الوجود و مسئوليات الحياة. إنما هو زهد يشكله إسلامه، الذي يجعل المسئولية العادلة دينا، و يجعل العمل الصالح الدائب عبادة و قربى. و هنا نلتقي ب علي يصحح المعايير و الموازين، إذ لا يكاد يسمع رجلا يذم الدنيا مذمة العاجز المتواكل
حتى يقول: الدنيا دار صدق، لمن صدقها و دار نجاة، لمن فهم عنها، و دار غنى و زاد لمن تزود منها.
مهبط وحي اللّه ... و مسجد أنبيائه .. و متجر أوليائه .. ربحوا فيها الرحمة، و اكتسبوا فيها الجنة. أجل هذه هي دنيا المسلم، كما يفهمها ربيب الوحي، و سابق المسلمين ..
دار عمل لا لهو يكدح فيها الإنسان لينشئ لنفسه مصيرا سعيدا يوم يقوم الناس لرب العالمين. و هي دار صدق، لمن عاش فيها صادقا مع مسئولياته و تبعاته و دار نجاة، لمن سار فيها على درب النجاة.
و بهذا الفهم السديد للدنيا، ربحها علي و ربح بها مصيره و أخراه. فهي بالنسبة له، لم تكن دار لعب و لهو أبدا. منذ طفولته الباكرة، حمل الإسلام في قلبه. و حمل معه كل أعباء الرجال. و لقد قطع حياته و قضى أيامه على الأرض في كفاح موصول، و نضال لم يعرف الراحة يوما. و عاش كما
وصفه الرسول عليه السّلام: مخشوشن في سبيل اللّه.