نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٦٢ - سورة الأنعام
و قال آخر:
كذبتم و بيت اللّه لا تنكحونها # بنى شاب قرناها تصرّ و تحلب [١]
و لم يرد الكذب في الأقوال؛ بل في التمنّي و الأمل.
و ليس لأحد أن يقول: كيف يجوز من أهل الآخرة مع معارفهم الضرورية، و أنّهم عارفون بأنّ الرجوع لا سبيل إليه أن يتمنّوه؛ و ذلك أنّه غير ممتنع أن يتمنّى المتمنّي ما يعلم أنّه لا يحصل و لا يقع؛ و لهذا يتعلّق التمني للشيء بألاّ يكون ما قد كان. و لقوّة اختصاص التمنّي بما يعلم أنّه لا يكون غلط قوم فجعلوا إرادة ما علم المريد أنّه لا يكون تمنّيا؛ فهذا الذي ذكرناه وجه في تأويل الآية.
و في الناس من يجعل بعض الكلام تمنّيا و بعضه إخبارا، و علّق تكذيبهم بالخبر دون لَيْتَنََا فكان تقدير الآية: يا ليتنا نرد-و هذا هو التمنّي-ثمّ قال من بعده: فإنّا وَ لاََ نُكَذِّبَ بِآيََاتِ رَبِّنََا وَ نَكُونَ مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ ، فأخبروا بما علم اللّه تعالى أنّهم فيه كاذبون؛ و إن لم يعلموا من أنفسهم مثل ذلك؛ فلهذا كذّبهم تعالى.
و كلّ هذا واضح [٢] .
- وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَ جَعَلْنََا عَلىََ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذََانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا حَتََّى إِذََا جََاؤُكَ يُجََادِلُونَكَ يَقُولُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هََذََا إِلاََّ أَسََاطِيرُ اَلْأَوَّلِينَ [الأنعام: ٢٥].
أنظر ص: ٣٤ من التنزيه: ١٣٦.
- قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ اَلَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لاََ يُكَذِّبُونَكَ وَ لََكِنَّ اَلظََّالِمِينَ بِآيََاتِ اَللََّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣].
[إن سأل سائل]فقال: كيف يخبر عنهم بأنّهم لا يكذّبون نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و معلوم منهم إظهار التكذيب، و العدول عن الاستجابة و التصديق، و كيف ينفي عنهم
[١] البيت في اللسان (قرن) ، و كتاب سيبويه ١/٢٥٩، ٢/٦٥، و شاب قرناها: لقب لامرأة.
[٢] الأمالي، ٢: ٢٣٤.