نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٦ - سورة يوسف
على التقديم و التأخير، و يكون تلخيصه «و لقد همّت به و لو لا أن رأى برهان ربّه لهمّ بها» و يجري ذلك مجرى قولهم: قد كنت هلكت لو لا ان تداركتك، و قتلت لو لا انّي قد خلّصتك. و المعنى لو لا تداركي لهلكت و لو لا تخليصي لقتلت، و إن لم يكن وقع في هلاك و لا قتل. قال الشاعر:
و لا يدعني قومي صريخا لحرّة # لئن كنت مقتولا و يسلم عامر [١]
و قال الآخر:
فلا يدعني قومي ليوم كريهة # لئن لم أعجّل طعنة أو أعجّل [٢]
فقدّم جواب «لئن» في البيتين جميعا[و قد استشهد عليه أيضا بقوله تعالى:
وَ لَوْ لاََ فَضْلُ اَللََّهِ عَلَيْكَ وَ رَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طََائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ و الهمّ لم يقع لمكان فضل اللّه و رحمته] [٣] .
و قد استبعد قوم تقديم جواب «لو لا» عليها، و قالوا: لو جاز ذلك لجاز قولهم: «قام زيد لولا عمرو» و «قصدتك لو لا بكر» . و قد بيّنا بما أوردناه من الأمثلة و الشواهد جواز تقديم جواب «لو لا» و انّ القائل قد يقول: «قد كنت قمت لو لا كذا و كذا» ، و «قد كنت قصدتك لو لا ان صدني فلان» ، و إن لم يقع قيام و لا قصد. و هذا هو الّذي يشبه الآية دون ما ذكروه من المثال.
و بعد، فإنّ في الكلام شرطا و هو قوله تعالى: لَوْ لاََ أَنْ رَأىََ بُرْهََانَ رَبِّهِ ، فكيف يحمل على الاطلاق مع حصول الشرط؟فليس لهم أن يجعلوا جواب لو لا محذوفا؛ لأنّ جعل جوابها موجودا أولى. و ليس تقديم جواب «لو لا» بأبعد من حذفه جملة من الكلام. و إذا جاز عندهم الحذف لئلا يلزم تقديم الجواب، جاز لغيرهم تقديم الجواب حتى لا يلزم الحذف.
[١] البيت لقيس بن زهير بن جذيمة راجع الكتاب ١: ١٨٦.
[٢] مختلف فيه في شرح ديوان الحماسة ١: ٧٣ نسبه إلى مسور بن زيادة، و قيل لعمه و في ربيع الأبرار ١: ٤٢٣ نسبه إلى قاسم بن اميّة بن أبي الصلت الثقفي.
[٣] ما بين المعقوفتين من الأمالي، ١-٤٥٤: ٤٥٥.