نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٨٠ - سورة يوسف
يرجع إليه ممّا ذكرناه، و ذلك طاعة لا لوم على مريده و محبّه] [١] .
فإن قيل: كيف يقول: السجن أحبّ إليّ ممّا يدعونني إليه و هو لا يحبّ ما دعوه إليه على وجه من الوجوه، و من شأن هذه اللفظة أن تستعمل بين شيئين مشتركين في معناها.
قلنا: قد تستعمل هذه اللفظة فيما لا اشتراك فيه[على الحقيقة] [٢] ، ألا ترى أنّ من خيّر بين ما يكرهه و ما يحبّه ساغ له أن يقول: «هذا أحبّ إلى من هذا» ، و إن لم يخيّر[ساغ له ان يقول مبتدئا] «هذا أحب إليّ من هذا» ، إذا كانا لا يشتركان في محبّته؟و إنّما سوّغ ذلك على أحد الوجهين دون الآخر؛ لأنّ المخيّر بين الشيئين في الأصل لا يخيّر بينهما إلاّ و هما مرادان له أو ممّا يصحّ أن يريدهما، فموضوع التخيير يقتضي ذلك، و إن حصل فيما يخالف أصل موضوعه. و من قال-و قد خيّر بين شيئين لا يحبّ أحدهما-: «هذا أحبّ إليّ» إنّما يكون مجيبا بما يقتضيه أصل الموضوع في التخيير، و يقارب ذلك قوله تعالى قُلْ أَ ذََلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ اَلْخُلْدِ [٣] و نحن نعلم أنّه لا خير في العقاب، و أنّما حسن القول لوقوعه[موقع]التقريع و التوبيخ على اختيار المعاصي على الطاعات، و انّهم ما أثروها إلاّ لاعتقادهم أنّ فيها خيرا و نفعا، فقيل أذلك خير على ما تظنّونه و تعتقدونه أم كذا و كذا؟
و قد قال قوم في قوله تعالى: أَ ذََلِكَ خَيْرٌ : إنّه إنّما حسن لاشتراك الحالتين في باب المنزلة، و إن لم يشتركا في الخير و النفع كما قال تعالى: خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَ أَحْسَنُ مَقِيلاً [٤] و مثل هذا المعنى يتأتّى في قوله: رَبِّ اَلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ؛ لأنّ الأمرين-يعني المعصية و دخول السجن-مشتركان في أنّ لكل منها داعيا و عليه باعثا، و إن لم يشتركا في تناول المحبّة، فجعل اشتراكهما في دواعي المحبّة اشتراكا في المحبة نفسها، و أجرى اللفظ على ذلك.
[١] ما بين المعقوفتين من الأمالي، ١: ٤٦٢.
[٢] المصدر نفسه.
[٣] سورة الفرقان، الآية: ١٥.
[٤] سورة الفرقان، الآية: ٢٤.
غ