نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤١٦ - سورة التوبة
فإن قيل: فما تنكرون من ذلك، و لعلّ الوعد كان من الابن للأب بالاستغفار، و إنّما وعده به؛ لأنه أظهر له الإيمان؟
قلنا: ظاهر الآية يمنع من ذلك؛ لأنّه تعالى قال: وَ مََا كََانَ اِسْتِغْفََارُ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاََّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهََا إِيََّاهُ فعلّل حسن الاستغفار بالموعدة، و لا يكون الموعدة مؤثّرة في حسن الاستغفار إلاّ بأن يكون من الأب للابن بالإيمان؛ لأنّها إذا كانت من الابن لم يحسن له الاستغفار؛ لأنّه إن قيل: إنّما وعده الاستغفار لاظهاره له الإيمان، فالمؤثّر في حسن الاستغفار هو إظهار الإيمان لا الموعدة.
فإن قيل: أفليس إسقاط عقاب الكفر و الغفران لمرتكبه كانا جائزين من طريق العقل، و إنّما منع منه السمع، و إلاّ جاز أن يكون إبراهيم عليه السّلام إنّما استغفر لأبيه؛ لأنّ السمع لم يقطع له على عقاب الكفار و كان باقيا على حكم العقل، و ليس يمكن أن يدّعي أنّ ما في شرعنا من القطع على عقاب الكفّار كان في شرعه؛ لأنّ هذا لا سبيل إليه؟.
قلنا: هذا الوجه كان جائزا لو لا ما نطق به القرآن من خلافه؛ لأنّه تعالى لمّا قال: مََا كََانَ لِلنَّبِيِّ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كََانُوا أُولِي قُرْبىََ مِنْ بَعْدِ مََا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحََابُ اَلْجَحِيمِ [١] قال عاطفا على ذلك: وَ مََا كََانَ اِسْتِغْفََارُ إِبْرََاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاََّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهََا إِيََّاهُ فَلَمََّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلََّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ فصرّح بعلّة حسن إستغفاره، و أنّها الموعدة. و لو كان الوجه في حسن الاستغفار على ما تضمّنه السؤال، لوجب أن يعلّل استغفاره لأبيه بأنه لم يعلم أنّه من أهل النار لا محالة، و لم يقطع في شرعه على عقاب الكفّار.
و الكلام يقتضي خلاف هذا، و يوجب أنّه ليس لإبراهيم عليه السّلام من ذلك ما ليس لنا، و أنّ عذره فيه هو الموعدة دون غيرها.
و قد قال أبو علي بن محمد بن عبد الوهّاب الجبّائي في تأويل الآية الّتي في
[١] سورة التوبة، الآية: ١١٣.