نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٣ - سورة هود
كثير من أفعال البشر؛ لأنّ معاقل الأرض هي التي يهرب إليها البشر من المكاره؛ و يلجؤون بها إلى الاعتصام بها عند المخاوف؛ فإذا نفى تعالى أن يكون لهم في الأرض معقل فقد نفى المعقل من كل وجه.
فأمّا قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ أَوْلِيََاءَ فمعناه أنّه لا وليّ لهم، و لا ناصر من عذاب اللّه تعالى و عقابه لهم في الآخرة؛ و لا ممّا يريد أيضا إيقاعه بهم في الدنيا، و إن كان لهم من يحميهم من مكروه البشر و ينصرهم ممّن أرادهم بسوء؛ و قد يجوز أن يكون ذلك أيضا بمعنى الأمر، و إن كان مخرجه مخرج الخبر؛ و يكون التقدير: و ليس لهم أن يتّخذوا أولياء من دون اللّه، بل الواجب أن يرجعوا إليه في معونتهم و نصرهم، و لا يعوّلوا على غيره.
فأمّا قوله عز و جل: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ وَ مََا كََانُوا يُبْصِرُونَ ففيه وجوه:
أحدها: أن يكون المعنى: يضاعف لهم العذاب بما كانوا يستطيعون السمع فلا يسمعون؛ و بما كانوا يستطيعون الإبصار فلا يبصرون؛ عنادا للحقّ، و ذهابا عن سبيله؛ فأسقط الباء من الكلام، و ذلك جائز كما جاز في قولهم: «لأجزينّك بما عملت» و «لأجزينّك ما عملت» ؛ و «لأحدثّنك بما عملت» و «لأحدثنك ما عملت» ؛ و كما قال الشاعر:
نغالي اللّحم للأضياف نيئا # و نبذله إذا نضج القدير [١]
فأراد: نغالي باللحم.
و الوجه الثاني: أنّهم لاستثقالهم استماع آيات اللّه تعالى، و كراهيّتهم تذكّرها و تفهّمها، جروا مجرى من لا يستطيع السمع، كما يقول القائل: ما يستطيع فلان أن ينظر لشدّة عداوته إلى فلان، و ما يقدر على أن يكلمه؛ و كما نقول لمن عهدنا منه العناد و الاستثقال لاستماع الحجج و البينات: ما تستطيع أن تسمع الحقّ؛ و ما تطيق أن يذكر لك، و كما قال الأعشى:
[١] البيت في اللسان (غلا) : قال في شرحه: «نغالي اللحم، نشتريه غاليا، ثمّ نبذله و نطعمه إذا نضج في قدورنا» . و القدير: ما طبخ من اللحم بتوابل.