نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩٤ - سورة يوسف
الجواب: قلنا: في هذه الآية وجوه أربعة:
أوّلها: أنّه لمّا كان هذا الوقت الذي أشار إليه هو أوّل أوقاته التي كشف فيها نفسه، و أطلعهم على ما كان يستره عنهم من أمره؛ أشار إلى الوقت الذي لو أراد الانتقام لأبتدأ به فيه؛ و الذي عفا فيه عنهم لم يراجع الانتقام.
و ثانيها: أنّ يوسف عليه السّلام لمّا قدّم توبيخهم، و عدّد عليهم قبيح ما فعلوه، و عظيم ما ارتكبوه-و هو مع ذلك يستر عنهم نفسه، و لا يفصح لهم بحاله-قال لهم عند تبين أمرهم: لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ [يوسف: ٩٢]؛ أي قد انقطع عنكم توبيخي، و مضى عذلي و لائمتي عند اعترافكم بالذنب، و كان ذكر «اليوم» دلالة على انقطاع المعاقبة و التوبيخ؛ و على أنّ الأوقات المتصلة باليوم تجري مجراه في زوال الغضب، و تمام العفو، و سقوط المواقفة لهم على ما سلف منهم.
و ثالثها: أنّ ذكر «اليوم» المراد به الزمان و الحين، فوضع «اليوم» موضع الزّمان كلّه، المشتمل على الليالي و الأيام و الشهور و السنين؛ كما يقول العربي لغيره: «قد كنت تستحسن شرب الخمر فاليوم وفّقت لتركها و مقتها» ؛ يريد في هذا الزمان، و لا يريد يوما واحدا بعينه؛ و مثله: «قد كنت تقصّر في الجواب عن فنون العلم فاليوم ما تعجزك مسألة، و لا تتوقّف عن مشكلة» ؛ يريد باليوم باقي الزمان كلّه، و قال امرؤ القيس:
حلّت لي الخمر و كنت امرا # عن شربها في شغل شاغل [١]
فاليوم فاشرب غير مستحقب # إثما من اللّه و لا واغل [٢]
لم يقصد يوما بعينه؛ و مثله:
[١] ديوانه: ١٥٠. و في شرح الديوان: «كان حلف ألا يشرب خمرا، و لا يأكل لحما، و لا يغسل رأسا؛ حتى يدرك بثأر أبيه؛ و كذلك كانت العرب تفعل؛ فلما أخذ بثأر أبيه شربها فبرت يمينه» .
[٢] حاشية بعض النسخ (من نسخة) : «أشرب» بسكون الباء؛ و رواية الديوان:
(فاليوم أسقى غير مستحقب)
المستحقب؛ المكتسب للأثم الحامل له. و الواغل: الذي يدخل على القوم و هم يشربون فيشرب معهم من غير دعوة.