نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٣ - سورة يونس
و هذا الجواب يضعّف؛ لأنّ حرف الاستفهام لا يكاد يحذف إلاّ و في الكلام دلالة عليه و عوض عنه، مثل قول الشاعر:
كذبتك عينك أم رأيت بواسط # غلس الظّلام من الرّباب خيالا [١]
لأنّ لفظة «أم» يقتضي الاستفهام، و قد سأل «أبو علي الجبّائيّ» نفسه عن هذا السؤال في التفسير، و أجاب عنه: بأن في الآية ما يدلّ على حذف حرف الاستفهام، و هو دليل العقل الدالّ على أنّ اللّه تعالى لا يضلّ العباد عن الدّين. و دليل العقل أقوى ممّا يكون في الكلام دالا على حرف الاستفهام.
و هذا ليس بشيء؛ لأنّ دليل العقل و إن كان أقوى من كل دليل يصحب الكلام، فإنّه ليس يقتضي في الآية أن يكون حرف الاستفهام منها محذوفا لا محالة؛ لأنّ العقل إنّما يقتضي تنزيه اللّه تعالى عن أن يكون مجرّبا بشيء من أفعاله إلى إضلال العباد عن الدين، و قد يمكن صرف الآية إلى ما يطابق دليل العقل من تنزيهه تعالى عن القبيح، من غير أن يذكر الاستفهام و يحذف حرفه، و إذا كان ذلك ممكنا لم يكن في العقل دليل على حذف حرف الاستفهام، و انّما يكون فيه دليل على ذلك لو كان يتعذّر تنزيهه تعالى عن إرادة الضلال، إلاّ بتقدير الاستفهام.
فأمّا قوله تعالى: فَلاََ يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ فأجود ما قيل فيه: إنّه عطف على قوله: لِيُضِلُّوا و ليس بجواب لقوله: رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلىََ أَمْوََالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلىََ قُلُوبِهِمْ و تقدير الكلام رَبَّنََا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَ مَلَأَهُ زِينَةً وَ أَمْوََالاً فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا رَبَّنََا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اِطْمِسْ عَلىََ أَمْوََالِهِمْ وَ اُشْدُدْ عَلىََ قُلُوبِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُوا حَتََّى يَرَوُا اَلْعَذََابَ اَلْأَلِيمَ . و هذا الجواب يطابق أن يكون اللام للعاقبة، و أن يكون المعنى فيها لئلاّ يضلّوا أيضا.
و قال قوم: إنّه أراد (فلن يؤمنوا) فأبدل الألف من النون الخفيفة، كما قال الأعشى:
[١] البيت للأحظل، تقدّم تخريجه في سورة الأنعام، الآيتان: ٨٦-٨٧.