نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٦٦ - سورة الأعراف
لا سبيل إلى العلم بكونه رسولا إلاّ من جهة المعجز و جبت بعثة الرسول و تحميله ما فيه مصلحتنا من الشرائع، و إظهار المعجز على يده لتعلّق هذه الأمور بعضها ببعض، و لا فرق في هذا الموضع بين أن يعلم أنّ المبعوث إليهم الرسول، أو بعضهم يطيعون و يؤمنون، و بين ألاّ يعلم ذلك في وجوب البعثة، و ما يجب وجوبها، لأنّ تعريف المصالح ممّا يقتضيه التكليف العقليّ الذي لا فرق في حسنه بين أن يقع عنده الإيمان أو لا يقع؛ و ليس هذه سبيل ما يظهر من المعجزات بعد قيام الحجّة بما تقدّم منها؛ لأنّه متى لم ينتفع بها منتفع، و يؤمن عندها من لم يؤمن لم يكن في إظهارها فائدة، و كانت عبثا؛ فافترق الأمران.
فإن قيل: كيف يطابق هذا التأويل قوله: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا وَ كََانُوا عَنْهََا غََافِلِينَ ، و من المعلوم أنّ صرفهم عن الآيات لا يكون مستحقّا بذلك؟
قلنا: يمكن أن يكون قوله تعالى: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيََاتِنََا لم يرد به تعليل قوله تعالى: سَأَصْرِفُ بل يكون كالتعليل لما هو أقرب إليه في ترتيب الكلام، و هو قوله تعالى: وَ إِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاََ يُؤْمِنُوا بِهََا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ اَلرُّشْدِ لاََ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ، لأنّ من كذب بآيات اللّه جل و عزّ؛ و غفل عن تأمّلها و الاهتداء بنورها ركب الغيّ، و اتّخذه سبيلا، و حاد عن الرشد و ضلّ ضلالا بعيدا. و رجوع لفظة «ذلك» إلى ما ذكرناه أشبه بالظاهر من رجوعها إلى قوله:
سَأَصْرِفُ ؛ لأنّ رجوع اللفظ في اللغة إلى أقرب المذكورين إليه أولى.
و يمكن أن يكون قوله تعالى: كَذَّبُوا و إن كان بلفظ الماضي المراد به الاستقبال، و يكون وجهه أنّ التكذيب لمّا كان معلوما منهم لو أظهرت لهم الآيات جعل كأنّه[واقع، فبني الخطاب عليه، و لهذا نظائر في اللغة كثيرة. أو يكون جوابا لمحذوف؛ كأنّه]قال: ذلك بأنّه متى أظهرنا لهم آياتنا كذبوا بها.
و يجري ما ذكرناه أوّلا مجرى قوله تعالى: وَ نََادىََ أَصْحََابُ اَلنََّارِ أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ في أنّه بلفظ الماضي و المعنى الاستقبال.
و ثالثها: أن يكون معنى سَأَصْرِفُ عَنْ آيََاتِيَ ، أي لا أوتيها من هذه صفته،