نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٦٠ - سورة هود
يدلّ على ذلك أنّ من أحسن إلى غيره، و أنعم عليه يوصف بأنّه رحيم به، و إن لم يعلم منه رقّة قلب عليه، بل وصفهم بالرحمة من لا يعهدون منه رقّة القلب أقوى من وصفهم الرقيق القلب بذلك؛ لأنّ مشقة النعمة و الفضل و الإحسان على من لا رقّة عنده أكثر منها على الرقيق القلب، و قد علمنا أنّ من رقّ قلبه لو امتنع من الإفضال و الإحسان لم يوصف بالرحمة، و إذا أنعم وصف بذلك، فوجب أن يكون معناها ما ذكرناه؛ على أنّه لا يمتنع أن يكون معنى الرحمة في الأصل ما ذكرتم، ثمّ انتقل بالتعارف إلى ما ذكرناه كنظائره. و قد وصف اللّه القرآن بأنّه هدى و رحمة من حيث كان نعمة، و لا يتأتى في القرآن ما ظنّوه؛ و إنّما وصفت رقّة القلب بأنّها رحمة؛ لأنّها ممّا تجاوره الرحمة التي هي النعمة في الأكثر، و توجد عنده، فحلّ محلّ وصف الشهوة بأنّها محبّة لمّا كانت توجد عندها المحبة في الأكثر، و ليست الرحمة مختصّة بالعفو، بل تستعمل في ضروب النّعم، و صنوف الإحسان؛ ألا ترى أنّا نصف المنعم علي غيره، المحسن إليه بالرحمة، و إن لم يسقط عنه ضررا، و لم يتجاوز له عن زلّة؛ و إنّما سمّى العفو عن الضرر و ما جرى مجراه رحمة من حيث كان نعمة؛ لأنّ النعمة بإسقاط الضرر تجري مجرى النعمة بإيصال النفع، فقد بان بهذه الجملة معنى الآية، و بطلان ما ضمّنه السائل سؤاله.
فإن قيل: إذا كانت الرحمة هي النعمة، و عندكم أنّ نعم اللّه شاملة للخلق أجمعين، فأيّ معنى لاستثناء مَنْ رَحِمَ من جملة المختلفين إن كانت الرحمة هي النعمة؟و كيف يصحّ اختصاصها بقوم دون قوم و هي عندكم شاملة عامّة؟
قلنا: لا شبهة في أنّ نعم اللّه شاملة للخلق أجمعين؛ غير أنّ في نعمه أيضا ما يختصّ بها بعض العباد، إمّا لاستحقاق، أو لسبب يقتضي الاختصاص فإذا حملنا قوله تعالى: إِلاََّ مَنْ رَحِمَ على النعمة بالثواب، فالاختصاص ظاهر، لأنّ النعمة به لا تكون إلاّ مستحقّة، فمن استحقّ الثواب بأعماله وصل إلى هذه النعمة، و من لم يستحقّه لم يصل إليها.
و إن حملنا الرحمة في الآية على النعمة بالتوفيق للإيمان و اللطف الذي وقع