نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٧٥ - سورة الأنعام
قلنا: قد ثبت أنّ أهل اللغة لا يفرّقون بين معنى قولهم «أدركت ببصري» و «رأيت» ، و من ادّعى فرقا بين الأمرين مدّع لما ليس بمعروف عندهم، و هو بمنزلة من عكس كذلك، و ادّعى أنّ المتناولة للشيء من جميع جهاته هي الرؤية، و الإدراك بخلافها في هذا المعنى، على أنّ هذا القول يوجب ألاّ يوصف أحد منّا بأنّه مدرك لشيء من الأجسام في الحالة الواحدة؛ لأنّه لا يراها من جميع جهاتها، و كذلك كان يجب ألاّ يوصف بأنّه يرى السواد؛ لأنّه لا جهات له، و في علمنا بخلاف ذلك دليل على فساد هذا القول.
فإن قيل: كيف يصحّ ما ادّعيتموه من أنّ الإدراك إذا قيّد بالبصر، لم يفد إلاّ الرؤية، و نحن نجدهم يقولون: «أدركت حرارة الميل ببصري» ، و إذا صحّ هذا جاز أن يكون النفي بالآية هو هذا الضرب من الإدراك؟
قلنا: أول ما في هذا السؤال انّا لا نعرف ما تضمّنه مستعملا في لغة العرب، و لا يقدر المتعرض به أن ينشد فيه شعرا لهم، أو يروى به خبرا عنهم، فعلى معتمدهم أن يصحّح روايته حتى يلزمنا الكلام على معناه.
على أنّ ذلك لو كان مستعملا معروفا، لم يقدح فيما اعتمدناه؛ لأنّ الإدراك الحاصل بالبصر على ضربين:
أحدهما: يختصّ البصر بأنّه آلة فيه، و هو الرؤية.
و الضرب الآخر: حكم البصر فيه، و كلّ محلّ للحياة حكمه واحد، و هو إدراك الحرارة و ما يجري مجراها.
فالإدراك متى أضيف إلى البصر أو أطلق، لم يعقل منه إلاّ الرؤية التي تختصّ البصر بأنّه آلة فيها، كما أنّ الإدراك إذا أضيف إلى البصر أو الأذن و أطلق لم يعقل منه إلاّ ما يختصّ هاتان الجارحتان، بكونهما آلة في إدراكه، و ما سئلنا عنه بخلاف ذلك؛ لأنّ القائل إذا قال: «أدركت حرارة الميل ببصري» فقد علّق الإدراك بالحرارة التي لا تكون البصر آلة في إدراكها من جهة الرؤية، و صار هذا التقييد مزيلا لما يقتضيه ظاهر إضافة الإدراك إلى البصر مع الإطلاق،