نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٩٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرّحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدّم التصريح به و لغيره، لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلاّ المعنى الأوّل، يبيّن صحّة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة و مفهما لهم و له عدّة عبيد: ألستم عارفين بعبدي فلان؟ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا أن عبدي حرّ لوجه اللّه تعالى، لم يجز أن يريد بقوله: «عبدي» بعد أن قدم ما قدمه، إلاّ العبد الذي سمّاه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، و متى أراد سواه كان عندهم ملغّزا خارجا عن طريقة البيان، و يجري قوله: فاشهدوا أن عبدي حرّ، عند جميع أهل اللسان مجرى قوله: فاشهدوا أن عبدي فلانا حر، إذا كرّر مجرى تسميته و تعيينه، و هذه حال كلّ لفظ محتمل عطف على لفظ مفسّر على الوجه الذي صوّرناه، فلا حاجة بنا إلى تكثير الأمثلة منه.
فإن قال: و كيف يشبه المثال الذي أوردتموه خبر الغدير، و إنّما تكررت فيه لفظة عبدي غير موصوفة على سبيل الاختصار بعد أن تقدّمت موصوفة، و خبر الغدير لم يتكرّر فيه لفظة واحدة، و إنما وردت لفظة مولى، فادعيتم أنها تقوم مقام أولى المتقدّمة.
قيل له: إنّك لم تفهم موقع التشبيه بين المثال و خبر الغدير، و كيفية الاستشهاد به؛ لأن لفظة «عبدي» و إن كانت متكرّرة فيه، فإنّها لما وردت أولا موصولة بفلان جرت مجرى المفسّر المصرح الذي هو ما تضمنته المقدّمة في خبر الغدير من لفظ أولى، ثم لما وردت من بعد غير موصولة حصل فيها احتمال و اشتباه لم يكن في الأول، فصارت كأنّها لفظة أخرى تحتمل ما تقدّم و تحتمل غيره، و جرت مجرى لفظة مولى من خبر الغدير في احتمالها لما تقدّم و لغيره، على أنا لو جعلنا مكان قوله: «فاشهدوا أن عبدي حرّ» «أشهدوا أن غلامي أو مملوكي حر» لزالت الشبهة في مطابقة المثال للخبر، و إن كان لا فرق في الحقيقة بين لفظة «عبدي» إذا تكرّرت، و بين ما يقوم مقامها من الألفاظ في المعنى الذي قصدناه.
فإن قال: ما تنكرون من أن يكون إنّما قبح أن يريد القائل الذي حكيتم قوله