نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٠ - سورة الأعراف
بهذه الحال من المؤمنين بالوفاء بها، و هو تعالى إذا أهلك هؤلاء الجبّارين المتكبّرين، و اصطلمهم فقد صرفهم عن آياته، من حيث اقتطعهم عن مشاهدتها، و النظر فيها بانقطاع التكليف عنهم، و خروجهم عن صفات أهله.
و هذا الوجه يمكن أن يقال فيه: إنّ العقوبة لا تكون إلاّ مضادّة للاستخفاف و الإهانة، كما أنّ الثواب لا بدّ أن يكون مقترنا بالتعظيم و التبجيل و الإجلال؛ و إماتة اللّه تعالى للأمم و ما يفعله من بوار و اهلاك لا يقترن إليه ما لا بدّ أن يكون مقترنا إلى العقاب من الاستخفاف، و لا يخالف ما يفعله تعالى بأوليائه على سبيل الامتحان و الاختبار؛ فكيف يصحّ ما ذكرتموه!
و يمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يضمّ اللّه إلى ما يفعله بهؤلاء الكفّار المكذّبين[من الإهلاك و البوار اللعن و الذم و الاستخفاف]، و يأمرنا[أن نفعل ذلك بهم، فيكون ما يقع بهم من الإيلام على وجه العقوبة و بشروطها، و لا يمتنع أن يكون اللّه تعالى يتعبّد و يأمر بإهلاكهم]، و قتلهم على وجه الاستخفاف و النّكال، و يضيف اللّه تعالى ذلك إليه من حيث وقع بأمره و عن أذنه.
فإن قيل: ما معنى قوله تعالى: يَتَكَبَّرُونَ فِي اَلْأَرْضِ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ ؛ كأنّ في التكبّر ما يكون بالحقّ!
قلنا: في هذا وجهان:
أحدهما: أن يكون ذلك على سبيل التأكيد و التغليظ و البيان على أنّ التّكبر لا يكون إلاّ بغير الحقّ، و أنّ هذه صفة له لازمة غير مفارقة؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ مَنْ يَدْعُ مَعَ اَللََّهِ إِلََهاً آخَرَ لاََ بُرْهََانَ لَهُ بِهِ [١] ؛ و قوله تعالى: فَبِمََا نَقْضِهِمْ مِيثََاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيََاتِ اَللََّهِ وَ قَتْلِهِمُ اَلْأَنْبِيََاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ [٢] ، و لم يرد تعالى إلاّ المعنى الذي ذكرناه. و مثله قوله تعالى: وَ لاََ تَشْتَرُوا بِآيََاتِي ثَمَناً قَلِيلاً [٣] ، و لم يرد النهي عن الثمن القليل دون الكثير، بل أراد به تأكيد القول
[١] سورة المؤمنون، الآية: ١١٧.
[٢] سورة النساء، الآية: ١٥٥.
[٣] سورة البقرة، الآية: ٤١.