نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٣١ - سورة الأعراف
ذلك و هو لا ينطق إلاّ عن وحيه؟و لو جاز فيما يقتضي النبوّة استمراره التقييد و الاختصاص لجاز مثله في نفس النبوّة، فكأنّا نقول لصاحب الكتاب: لو قيّد موسى عليه السّلام الخلافة بحال دون حال لوجبت على الوجه الذي تعلّق كلامه به، غير أنّ ذلك لا يجوز أن يفعله عليه السّلام لما ذكرناه، و ليس ما عارض به من الوكالة و الإمارة بشيء؛ لأنّا إنّما أوجبنا استمرار خلافة هارون و أبطلنا التخصيص فيها و التقييد لأمر لا يثبت في الأمير و الوكيل و من يجري مجراهما؛ لأنّ ولاية هؤلاء يصحّ فيها العزل و التقييد و ضروب التخصيص، و لا يؤدّي إلى التنفير الذي منعنا منه في هارون عليه السّلام.
فأمّا الدلالة على أن هارون كان خليفة موسى عليه السّلام على وجه يثبت بقوله، فهو القرآن و الاجماع قال اللّه تعالى حكاية عن موسى: وَ قََالَ مُوسىََ لِأَخِيهِ هََارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي و الظاهر من الاستخلاف حصول الولاية للمستخلف بالقول على طريق النيابة عن المستخلف، و لهذا لا يصحّ للإنسان أن يقول لغيره: اخلفني في نفقة عيالك، و القيام بالواجب عليك من أمر منزلك، أو اخلفني في أداء فروضك و عباداتك، و قد يجوز أن يأمره بما يجب عليه على سبيل التأكيد فيقول له: اطع ربّك و أقم صلاتك، و أخرج ممّا يجب من زكاتك، فقد بان الفرق بين قوله: وَ أَصْلِحْ وَ لاََ تَتَّبِعْ سَبِيلَ اَلْمُفْسِدِينَ في وقوعه على سبيل التأكيد و بين قوله: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي في أنّه ظاهرة تقتضي ولاية تثبت بهذا القول على جهة النيابة، و ليس لأحد أن يمنع من التعلق بظاهر قوله: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي بأن يقول: إنه حكاية لكلام موسى و ليس هو نفس كلامه، فكيف يصح التعلّق بظاهره؛ لأنّه و إن لم يكن حكاية للفظ موسى بعينه فهو مفيد لمعنى كلامه و مراده، فلا بدّ من أن يكون موسى أراد بما هذا الكلام حكايته معنى الاستخلاف الذي نعقله، و نستفيد منه المعنى الذي تقدّم ذكره؛ لأنّه لو لم يكن المراد ما ذكرناه لم نفهم بحكايته تعالى عن موسى شيئا، و ساغ لقائل أن يقول في قوله تعالى حكايته عنه: وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي (٢٩) `هََارُونَ أَخِي (٣٠) `اُشْدُدْ بِهِ