نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٢ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
لأجل تخصيص الصفة، كما ذكرناه في قوله تعالى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنََّاسِ [١] إلى ما شاكله، و ليس يجب إذا ما خصّصنا الذي ذكره ثانيا لدليل أن نخصّ الذي ذكره أولا [٢] من غير دليل» [٣] .
يقال له: قد بيّنا كيفية الاستدلال بالآية على النصّ و دلّلنا على أنّها متناولة لأمير المؤمنين عليه السّلام دون غيره، و في ذلك إبطال لما تضمّنه صدر هذا الفصل و جواب عنه.
فأمّا حمل لفظ الجمع على الواحد فجائز معهود استعماله في اللغة و الشريعة، قال اللّه تعالى: وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ [٤] إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً [٥] و إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ [٦] و إنّما المراد العبارة عنه تعالى دون غيره، و هو واحد، و من خطاب الملوك و الرؤساء «فعلنا كذا» و «أمرنا بكذا» ، و مرادهم الوحدة دون الجمع، و الأمر في استعمال هذه الألفاظ على التعظيم في العبارة عن الواحد ظاهر، فإن أراد صاحب الكتاب بقوله: «إنه تعالى ذكر الجمع فكيف يحمل الكلام على واحد معيّن» السؤال عن جواز ذلك في اللغة، و صحّة استعماله، فقد دلّلنا و ضربنا له الأمثلة، و إن سأل عن وجوب حمل اللفظ مع أن ظاهره للجمع على الواحد، فالذي يوجبه هو ما ذكرناه فيما تقدّم.
فأمّا إلزامه أن يكون لفظ اَلَّذِينَ آمَنُوا على عمومه و إن دخل التخصيص في قوله: وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ فغير صحيح؛ لأن اختصاص الصفة التي هي إيتاء الزكاة في حال الركوع يدلّ على اختصاص صدر الكلام؛ لأن الكل صفات الموصوف الواحد، ألا ترى أن قائلا لو قال في وصيته: أعطوا من مالي كذا للعرب، الذين لهم نسب في بني هاشم؛ أو قال: لقيت الأشراف النازلين في محلّة كذا، لم يوجب كلامه، و لم يفهم منه إلاّ تفريق ماله على من اختصّ من
[١] سورة آل عمران، الآية: ١١٠. تقدّم كلامه ذيل هذه الآية فراجع.
[٢] المغني «أولا، لا من دليل» .
[٣] المغني، ٢٠: ١٣٤.
[٤] سورة الذاريات، الآية: ٤٧.
[٥] سورة نوح، الآية: ١.
[٦] سورة الحجر، الآية: ٩.