نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٩٣ - سورة يوسف
الرؤيا و هو صبيّ غير نبيّ و لا موحى إليه، فلا وجه في تلك الحال للقطع على صدقها و صحّتها.
و الآخر: انّ أكثر ما في هذا الباب أن يكون يعقوب عليه السّلام قاطعا على بقاء ابنه، و انّ الأمر سيؤول فيه إلى ما تضمّنته الرؤيا، و هذا لا يوجب نفي الحزن و الجزع؛ لأنّا نعلم أنّ طول المفارقة و استمرار الغيبة يقتضيان الحزن، مع القطع على أنّ المفارق باق يجوز أن يؤول حاله إلى القدوم؟و قد جزع الأنبياء عليهم السّلام و من جرى مجراهم من المؤمنين المطهّرين من مفارقة أولادهم و أحبائهم، مع يقينهم بالالتقاء بهم في الآخرة و الحصول معهم في الجنّة. و الوجه في ذلك ما ذكرناه [١] .
فإن قيل: فما بال يوسف عليه السّلام لم يعلم أباه بخبره لتسكن نفسه و يزول و جده و همّه مع علمه بشدّة تحرّقه و عظم قلقه؟
الجواب: قلنا في ذلك وجهان:
أحدهما: إنّ ذلك كان له ممكنا و كان عليه قادرا، فأوحى اللّه تعالى إليه بأن يعدل عن اطّلاعه على خبره تشديدا للمحنة عليه و تعريضا للمنزلة الرفيعة في البلوى و له تعالى أن يصعب التكليف و أن يسهّله.
و الوجه الآخر: إنّه جائز أن يكون عليه السّلام لم يتمكّن من ذلك و لا قدر عليه فلذلك عدل عنه [٢] .
- وَ جِئْنََا بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ... [يوسف: ٨٨].
أنظر النور: ٤٣، ٤٤ من الأمالي، ٢: ٢٦٠.
- قََالَ لاََ تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اَلْيَوْمَ يَغْفِرُ اَللََّهُ لَكُمْ وَ هُوَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢].
[إن سأل سائل عن هذه الآية]حاكيا عن يوسف عليه السّلام. فقال: لم خصّ «اليوم» بالقول، و إنّما أراد العفو عنهم في جميع مستقبل أوقاتهم؟
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٧٠.
[٢] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٨٧.