نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١١٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
و إنّما نصب عبد ربّ؛ لأنّ من حقّ الكلام: هل أنت باعث دينارا فحمل على الموضع لا اللفظ [١] .
و نظيره أنّ زيدا في الدار و عمرو، فيرفع عمرو على موضع «أنّ» و ما عملت فيه؛ لأنّ ذلك موضع رفع، و مثله مررت بزيد و عمرا، و ذهبت إلى خالد و بكرا.
و قال الشاعر:
جئني بمثل بني بدر لقومهم # أو مثل أخوة منظور بن سيار
و لمّا كان معنى جئني هات و أعطني و أحضرني مثلهم، جاز العطف بالنصب على المعنى و هذا أبعد ممّا قلناه في الآية، و بيّنا أنّ نصب الأرجل عطف على الموضع أولى من أن نعطفها على الأيدي و الوجوه؛ لأنّ جعل التأثير في الكلام القريب أولى من جعله للبعيد؛ و لأنّ الجملة الأولى المأمور فيها بالغسل قد نقضت و بطل حكمها باستيناف الجملة الثانية، و لا يجوز بعد انقطاع حكم الجملة الأولى أن يعطف عليها، و يجري ذلك مجرى قولهم ضربت زيدا و عمرا و أكرمت خالدا و بشرا، أنّ ردّ بشر في الاكرام إلى خالد هو وجه الكلام الذي لا يجوز غيره و لا يسوغ ردّه إلى الضرب الذي قد انقطع حكمه، على أنّ ذلك لو جاز لرجح ما ذكرناه؛ ليتطابق معنى القرائتين و لا يتنافيان، و تحديد طهارة الرجلين لا يدلّ على الغسل كما ظنّه بعضهم [٢] ، و ذلك لأنّ المسح فعل أوجبته الشريعة كالغسل، فلا يمكن تحديده كتحديد الغسل و لو صرّح تعالى فقال:
«و امسحوا أرجلكم و انتهوا بالمسح إلى الكعبين» لم يك منكرا، فان قالوا:
تحديد اليدين لمّا اقتضى الغسل، فكذلك وجب تحديد طهارة الرجلين يقتضي ذلك.
قلنا: لم نوجب في اليدين الغسل للتحديد بل للتصريح بغسلهما و ليس كذلك في الرجلين، و قولهم: عطف المحدود على المحدود أولى و أشبه بترتيب الكلام قلنا: ليس بمعتمد؛ لأنّ الأيدي معطوفة و هي محدودة على الوجوه
[١] الناصريات: ١٢٤.
[٢] أحكام القرآن (للجصّاص) ١، ٢: ٣٤٦.
غ