نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٤٤ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
[إن سأل سائل]فقال: كيف يجوز أن يخبر تعالى عن هابيل-و قد وصفه بالتقوى و الطاعة-بأنه يريد أن يبوء أخوه بالإثم؛ و ذلك إرادة القبيح، و إرادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال؛ و وجه قبحها كونها إرادة لقبيح، و ليس قبحها ممّا يتغيّر؟.
و كيف يصحّ أن يبوء القاتل بإثمه و إثم غيره؟و هل هذا إلاّ ما يأبونه من أخذ البريء بجرم السقيم؟.
الجواب: قلنا: جواب أهل الحقّ عن هذه الآية معروف؛ و هو أنّ هابيل لم يرد من أخيه قبيحا، و لا أراد أن يقتله، و إنّما أراد ما خبّر اللّه تعالى به عنه من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ ؛ أي إني أريد أن تبوء بجزاء ما أقدمت عليه من القبيح و عقابه، و ليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقّه.
و نظير قوله: «إثمي» -مع أنّ المراد به عقوبة إثمي الذي هو قتلي-قول القائل لمن يعاقب على ذنب جناه: هذا ما كسبت يداك، و المعنى: هذا جزاء ما كسبت يداك، و كذلك قولهم لمن يدعون عليه: لقاك اللّه عملك، و ستلقى عملك يوم القيامة، معناه ما ذكرناه.
فإن قيل: كيف يجوز أن يحسن إرادة عقاب غير مستحقّ لم يقع سببه، لأنّ القتل على هذا القول لم يكن واقعا؟.
قلنا: ذلك جائز بشرط وقوع الأمر الذي يستحقّ به العقاب؛ فهابيل لمّا رأى من أخيه التصميم على قتله، و العزم على إمضاء القبيح فيه، و غلب على ظنّه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه؛ بشرط أن يفعل ما همّ به، و عزم عليه.
فأمّا قوله: بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فالمعنى فيه واضح لأنّه أراد بإثمي عقاب قتلك لي و بإثمك أي عقاب المعصية التي أقدمت عليها من قبل، فلم يتقبل قربانك لسببها، لأنّ اللّه تعالى أخبر عنهما بأنّهما: قَرَّبََا قُرْبََاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ [١] ، و أنّ العلّة في أنّ قربان أحدهما لم يتقبّل أنّه غير متّق،
[١] سورة المائدة، الآية: ٢٧.