نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٦٤ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
وقع في الحال من أمير المؤمنين عليه السّلام، و ليس يمتنع أن نذكر في الجواب عن السؤال وجها آخر-و إن كنّا لا نحتاج مع ما ذكرنا إلى غيره؛ لأنّه الظاهر من مذهب أهل العربية-و هو أن يقال: إن نزول الآية و خطاب اللّه تعالى بها يجوز أن يكونا قبل الفعل الواقع في تلك الحال، فتجري اللفظة على جهة الاستقبال و هو الحقيقة، بل الظاهر من مذاهب المتكلمين في القرآن انّ اللّه تعالى أحدثه في السماء قبل نبوّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم بمدد طوال و على هذا المذهب لم يجر لفظ الاستقبال في الآية إلاّ على وجهه؛ لأنّ الفعل المخصوص عند احداث القرآن في الابتداء لم يكن إلاّ مستقبلا، و إنّما يحتاج إذا كان القول في القرآن على ما حكيناه إلى أن تتأول ألفاظه الواردة بلفظة الماضي مما يعلم أنّه وقع مستقبلا، و إلاّ فما ذكر بلفظ الاستقبال لا حاجة بنا إلى تأوله لوقوعه على وجهه، فأمّا لفظة «الذين» فإنّها و إن كانت موضوعة في الأصل للجمع دون الواحد فغير ممتنع أن تكون بالعرف و كثرة الاستعمال قد دخلت في أن تستعمل في الواحد المعظم أيضا على سبيل الحقيقة، يدلّ على ذلك أنّ قوله تعالى: إِنََّا أَرْسَلْنََا نُوحاً إِلىََ قَوْمِهِ [١] و ما أشبهه من الألفاظ لا يصحّ أن يقال: أنه مجاز، و كذلك قول أحد الملوك: «نحن الذين فعلنا كذا» .
لا يقال إنّه خارج عن الحقيقة؛ لأن العرف قد ألحقه ببابها، و لا شكّ في أنّ العرف يؤثر هذا التأثير، كما أثر في لفظة «غائط» [٢] و ما أشبهها، على أنا لو سلمنا أن استعمال لفظة الذين في الواحد مجاز و على وجه العدول عن الحقيقة لكنا بحمل الآية على هذا الضرب من المجاز أولى منكم بحملها على أحد المجازين اللذين ذكرتموهما في السؤال من وجهين:
أحدهما: أن المجاز الذي لم يشاهد في الاستعمال و جرت عادة أهل اللسان باستعماله أولى ممّا لم يكن بهذه الصفة، و قد بيّنا الشاهد باستعمال
[١] سورة نوح، الآية: ١.
[٢] فإن الغائط في الأصل المطمئن من الأرض الواسع و لما كان من يريد قضاء الحاجة يطلب ذلك المكان قيل: جاء من الغائط ثم نقلها العرف إلى المعنى المشهور حتى ترك المعنى الأول.