نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٩٩ - سورة الأعراف
جميعا على ملة واحدة غير مختلفة؛ لأنّه لمّا قال تعالى حاكيا عنهم: أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنََا كان معناه: أو لنكوننّ على ملة واحدة غير مختلفة، فحسن أن يقول من بعد: إلاّ أن يشاء اللّه أن يجمعكم معناه على ملة واحدة.
فإن قيل: الاستثناء بالمشيئة إنّما كان بعد قوله: وَ مََا يَكُونُ لَنََا أَنْ نَعُودَ فِيهََا ؛ فكأنّه قال: ليس نعود فيها إلاّ أن يشاء اللّه، فكيف يصحّ هذا الجواب؟
قلنا: هو كذلك؛ إلاّ أنه لمّا كان معنى أَنْ نَعُودَ فِيهََا ، هو أن تصير ملتنا واحدة غير مختلفة جاز أن يوقع الاستثناء على المعنى فيقول: إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ أن نتّفق في الملّة بان ترجعوا أنتم إلى الحقّ.
فإن قيل: فكأنّ اللّه تعالى ما شاء أن ترجع الكفّار إلى الحقّ!
قلنا: بلى قد شاء ذلك، إلاّ أنّه ما شاءه على كلّ حال، بل من وجه دون وجه، و هو أن يؤمنوا و يصيروا إلى الحقّ مختارين؛ ليستحقّوا الثواب الذي أجري بالتكليف إليه، و لو شاءه على كلّ حال لما جاز أن لا يقع منهم؛ فكأنّ شعيبا عليه السّلام قال: إن ملّتنا لا تكون واحدة أبدا؛ إلاّ أن يشاء اللّه أن يلجئكم إلى الاجتماع معنا على ديننا و موافقتنا في ملتنا؛ و الفائدة في ذلك واضحة؛ لأنّه لو أطلق أنّا لا نتفق أبدا، و لا تصير ملتنا واحدة لتوهّم متوهّم أنّ ذلك ممّا لا يمكن على حالّ من الأحوال؛ فأفاد بتعليقه له بالمشيئة هذا الوجه؛ و يجري قوله تعالى: إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ مجرى قوله تعالى: وَ لَوْ شََاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي اَلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً [١] .
و سادسها: أن يكون المعنى إلاّ أن يشاء اللّه أن يمكّنكم من إكراهنا، و يخلّي بينكم و بينه، فنعود إلى إظهارها مكرهين؛ و يقوّي هذا الوجه قوله تعالى: أَ وَ لَوْ كُنََّا كََارِهِينَ [٢] .
و سابعها: أن يكون المعنى إلاّ أن يشاء اللّه أن يتعبّدنا بإظهار ملّتكم مع
[١] سورة يونس، الآية: ٩٩.
[٢] سورة الأعراف، الآية: ٨٨.