نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٨٤ - سورة الأعراف
و يجوز أن يكون المعنى في قوله تعالى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ خلق كلّ واحد منكم من نفس واحدة؛ و هذا قد يجئ كثيرا في القرآن و في كلام العرب:
قال اللّه تعالى: وَ اَلَّذِينَ يَرْمُونَ اَلْمُحْصَنََاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدََاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمََانِينَ جَلْدَةً [١] و المعنى فاجلدوا كلّ واحد منهم ثمانين جلدة [٢] .
و قال عز و جلّ: وَ مِنْ آيََاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوََاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهََا [٣] فلكلّ نفس زوج و هو منها أي من جنسها.
فَلَمََّا تَغَشََّاهََا أي تغشّي كلّ نفس زوجها حملت حملا خفيفا و هو ماء الفحل فمرّت به أي مارت، و المور: التردّد؛ و المراد تردّد هذا الماء في رحم هذه الحامل «فلمّا أثقلت» أي ثقل حملها؛ أي بمصير ذلك الماء لحما و دما و عظما «دعوا اللّه» أي الرجل و المرأة لمّا استبان حمل المرأة فقالا: لَئِنْ آتَيْتَنََا صََالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ اَلشََّاكِرِينَ (١٨٩) `فَلَمََّا آتََاهُمََا صََالِحاً ذلك إلى شركاء معه فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ [٤] و هذا الوجه يقارب الوجه الأوّل في المعنى و إن خالفه في الترتيب [٥] .
و منها: أن تكون الهاء في قوله: جَعَلاََ لَهُ شُرَكََاءَ راجعة إلى الولد لا إلى اللّه تعالى، و يكون المعنى أنّهما طلبا من اللّه تعالى أمثالا للولد الصالح، فشركا بين الطلبتين. و يجري هذا القول مجرى قول القائل: «طلبت مني درهما فلمّا أعطيتك شركته بآخر» ، أي طلبت آخر مضافا إليه؛ فعلى هذا الوجه لا يمتنع أن تكون الكناية من أوّل الكلام إلى آخره راجعة إلى آدم و حوّاء عليهما السّلام.
فإن قيل: فأيّ معنى على هذا الوجه لقوله: فَتَعََالَى اَللََّهُ عَمََّا يُشْرِكُونَ و كيف يتعالى اللّه عن أن يطلب منه ولد بعد آخر.
قلنا: لم ينزّه اللّه تعالى نفسه عن هذا الإشراك، و إنّما نزّهها عن الاشراك
[١] سورة النور، الآية: ٤.
[٢] تنزيه الأنبياء، الآية: ٣١.
[٣] سورة الروم، الآية: ٢١.
[٤] الأمالي، ٢: ٢٠٢.
[٥] تنزيه الأنبياء: ٣٢.