نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٢٦ - سورة يونس
و ليس يمتنع عند من أنعم النظر أن يكون الخطاب متوجّها إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و ليس إذا كان الشكّ لا يجوز عليه لم يحسن أن يقال له: إن شككت فافعل كذا، كما قال تعالى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [١] ، و معلوم أنّ الشرك لا يجوز عليه.
و لا خلاف بين العلماء في أنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم داخل في ظاهر آيات الوعيد و الوعد، و إن كان لا يجوز أن يقع منه ما يستحقّ به من العقاب. و إن قيل له: إن أذنبت عوقبت؛ فهكذا لا يمتنع أن يقال له: إن شككت فافعل كذا و كذا؛ و إن كان ممّن لا يشكّ.
و وجدت بعض المفسّرين يجعل «إنّ» هاهنا بمعنى «ما» التي للجحد، و يكون تقدير الكلام: ما كنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك، و استشهد على ذلك بقوله تعالى: قََالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاََّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ [٢] ، أي ما نحن، و قوله تعالى: إِنْ أَنْتَ إِلاََّ نَذِيرٌ [٣] ؛ أي ما أنت إلاّ نذير، و لا شكّ و لا شبهة في أنّ لفظة «إن» قد تكون بمعنى «ما» في بعض المواضع؛ إلاّ أنّه لا يليق بهذا الموضع أن تكون إِنْ بمعنى «ما» ؛ لأنّه لا يجوز أن يقول تعالى: ما أنت في شكّ ممّا أنزلنا إليك؛ فاسأل الذين يقرؤون الكتاب؛ لأن العالم لا حاجة به إلى المسألة؛ و إنّما يحتاج أن يسأل الشاكّ.
غير أنّه يمكن نصرة هذا الجواب بأنّه تعالى لو أمره بسؤال أهل الكتاب من غير أن ينفي شكّه لأوهم أمره بالسؤال أنّه شاكّ في صدقه، و صحّه ما أنزل عليه، فقدّم كلاما يقتضي نفي الشكّ عنه فيما أنزل عليه، ليعلم أنّ أمره بالسؤال ليزول الشكّ عن غيره، لا عنه.
فأمّا الذين أمر بمسألتهم فقد قيل إنّهم المؤمنون من أهل الكتاب، الراجعون إلى الحقّ؛ ككعب الأحبار، و من جرى مجراه ممّن أسلم بعد اليهودية، لأنّ هؤلاء لا يصدّقون عمّا شاهدوه في كتبهم من صفات النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم و البشارة به؛ و إن كان غيرهم ممّن أقام على الكفر و الباطل لا يصدق عن ذلك.
[١] سورة الزمر، الآية: ٦٥.
[٢] سورة إبراهيم، الآية: ١١.
[٣] سورة فاطر، الآية: ٢٣.