نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢١ - سورة الأعراف
المؤمنين عليه السّلام، و إنّما قصد إلى إيجاب ما كان لهارون من موسى عليهما السّلام من المنازل في حال مخصوصة لأمير المؤمنين عليه السّلام في حال أخرى فدخل التشبيه و التمثيل بين المنازل لأنفسها لا بين أوقاتها و أزمان حصولها، و الذي دلّنا على صحّة هذه الجملة ما قدّمناه من اعتبار الاستثناء؛ لأنّه عليه السّلام إذا استثنى ما أخرجه من المنازل بعده، و كان الاستثناء من شأنه أن يطابق المستثنى منه حتى يكون مخرجا من الكلام ما لولاه لثبت على الوجه الذي تعلّق به الاستثناء، فلا بدّ أن يحكم بأنّه عليه السّلام أراد بصدر الكلام إيجاب المنازل بعده، فكأنّه عليه السّلام قال:
«أنت منّي بمنزلة هارون من موسى» بعدي و استغنى عن التصريح بلفظ بعدي في صدر الكلام من حيث كان الاستثناء دالاّ عليها، و مقتضيا لها، و هذا هو الواجب في الكلام الفصيح بمعنى أن يكتفى بيسيره عن كثيره، و بالتصريح في بعضه عن التصريح في كلّه، و لو لم يقتض الاستثناء ما ذكرناه لخرج عن مطابقة المستثنى منه و بعد عن الفائدة؛ لأن هارون لم يكن نبيّا بعد وفاة موسى فيكون الاستثناء مخرجا ما لولاه لثبت، فلا فرق بين تعلّق الاستثناء بالحال المخصوصة التي لم تثبت لهارون و لا قدّرنا أضمارها في صدر الكلام و بين تعلّقه بمنزلة غير مخصوصة لم تثبت لهارون من موسى على وجه من الوجوه، فوجب بما بيّناه أن يكون ما أوجب في صدر الكلام من المنازل مقصودا به إلى الحال التي تعلّق الاستثناء بها و سقط قول إنّ هارون إذا لم يكن نبيا بعد وفاة موسى لم يصحّ تعلّق الاستثناء بحال الوفاة، فلا فرق في صحّة هذه الطريقة بين أن تكون لفظة «بعدي» محمولة على نفي النبوّة بعد الموت، أو محمولة على نفيها بعد أحوال كونه نبيّا ممّا يعم الحياة و الوفاة معا؛ لأنّ اشتراط الحال التي تعلّق بها الاستثناء و تقديرها في صدر الكلام من الواجب، سواء كانت حالة الوفاة خاصة أو حالة الحياة و الوفاة جميعا، و ما نريده من إثبات الإمامة بالخبر بعد الوفاة مستمرّ على الوجهين، فلا معنى للمضايقة فيما يتمّ المراد دونه، و ممّا يزيد ما قد أوردناه وضوحا، و يسقط قوله: التشبيه يقتضي حصول ما تعلّق به الاستثناء في وقته لهارون أن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لو صرّح بما قدّرناه حتى يقول: «أنت منّي بمنزلة هارون