نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٨٩ - سورة الأنعام
لا يكون إلاّ محرّما؟ألا ترى أنّ القائل إذا قال: تعال أتل عليك ما وهبت كذا و كذا، لا بدّ أن يكون ما يعدّده و يذكره من الموهوبات؛ و إلاّ خرج الكلام من الصحّة.
و الجواب عن ذلك: أنّ التحريم لمّا كان إيجابا و إلزاما أتى ما بعده من المذكورات على المعنى دون اللفظ بذكر الأمور الواجبات و المأمورات للاشتراك في المعنى. و أيضا فإنّ في الإيجاب و الإلزام تحريما؛ ألا ترى أنّ الواجب محرّم الترك، و كلّ شيء ذكر بعد لفظ التحريم على بعض الوجوه تحريم.
فإن قيل: ألاّ حملتم الآية على ما حملها قوم من أنّ لفظة «لا» زائدة في قوله: «ألاّ تشركوا» ، فكأنّه عز و جل حرّم أن تشركوا به؛ و استشهد على زيادة «لا» بقوله تعالى: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [١] ، و بقول الشاعر:
فما ألوم البيض ألا تسخرا # لما رأين الأسمط القفندرا
و بقول الشاعر:
ألا يا لقوم قد أشطّت عواذلي # و يزعمن أن أودى بحقّي باطلي
و يلحينني في اللّهو إلا أحبّة # و للهو داع دائب غير غافل
قلنا: قد أنكر كثير من أهل العربية زيادة «لا» في مثل هذا الموضع، و ضعّفوه و حملوا قوله: مََا مَنَعَكَ أَلاََّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ على أنّه خارج على المعنى؛ و المراد به: ما دعاك إلى ألا تسجد!و ما أمرك بألاّ تسجد!لأنّ من منع من شيء فقد دعي إلى ألاّ يفعل.
و متى حملنا قوله تعالى: أَلاََّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً على أنّ لفظة «لا» زائدة- على تضعيف قوم لذلك-فلا بدّ فيما اتّصل به هذا الكلام من تقدير فعل آخر؛ و هو قوله تعالى: وَ بِالْوََالِدَيْنِ إِحْسََاناً ؛ لأنّ ذلك لا يجوز أن يكون معطوفا على المحرّم؛ و لا بدّ من إضمار: «و وصينا بالوالدين إحسانا» . و إذا احتجنا إلى هذا
[١] سورة الأعراف، الآية: ١٢.