نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٧ - سورة الأعراف
أمير المؤمنين عليه السّلام بعد الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم مثل ذلك و تجعلوها راجعة إلى اختيار الرسول؛ لأنها مشبّهة بها و محمولة عليها، و مذهبكم يخالف ذلك.
قلنا: أليس قد بيّنا فيما تقدم أنّه لا معتبر في باب حمل منازله عليه السّلام على منازل هارون من موسى بالأسباب و العلل و الجهات، و أن التشبيه وقع بين المنازل أو ثبوتها لا بين جهاتها و أشبعنا القول في ذلك فكيف يلزمنا ما ظننته؟ و إنّما جاز أن يكون استخلاف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في حياته موقوفا على اختياره و استخلافه بعد وفاته بنصّ من اللّه تعالى؛ لأنّ خليفته في حياته لا يجب أن يكون معصوما و لا حجّة، و خليفته بعد موته لا بدّ من كونه كذلك، فالنص عليه من اللّه تعالى واجب.
فأمّا قول صاحب الكتاب: «إن الاستخلاف إنّما يوصف بأنّه منزلة متى وجبت لسبب، فأمّا إذا وقع بالاختيار على وجه كان يجوز أن لا يحصل فلا يكاد يقال: «إنه منزلة» فإنه كثيرا ما يدّعي في هذه الطريقة بما لا يزيد فيه على الدّعوى، و يتحجّر في قصرها على أمر واحد من غير دليل و لا شبهة، و هذا يشبه ما ذكره متقدّما من أن المنزلة لا تستعمل إلاّ بمعنى المحلّ و الموقع من القلب دون ما يرجع إلى الولايات، و قد بيّنا بطلان ما ظنّه بما يبيّن أيضا بطلان دعواه هذه؛ لأنّه قد يقال: فلان بمنزلة فلان، و قد أنزلت زيدا منزلة عمرو في الأمور، و الولايات التي ليست بواجبة كنحو الوكالة و الوصيّة، و التفضل بالعطية، و غير ذلك ممّا لا سبب يوجبه فكيف يدّعي أن اللفظ يختصّ بما له سبب وجوب، و العرف يشهد باستعمالها في الكلّ، و فيما قد أوردناه كفاية في فساد جميع ما تعلّق به في هذا الباب [١] .
- وَ لَمََّا جََاءَ مُوسىََ لِمِيقََاتِنََا وَ كَلَّمَهُ رَبُّهُ قََالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي وَ لََكِنِ اُنْظُرْ إِلَى اَلْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكََانَهُ فَسَوْفَ تَرََانِي فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَ خَرَّ مُوسىََ صَعِقاً فَلَمََّا أَفََاقَ قََالَ سُبْحََانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَ أَنَا أَوَّلُ اَلْمُؤْمِنِينَ [الأعراف: ١٤٣].
[١] الشافي في الإمامة و إبطال حجج العامّة، ٣: ٥ إلى ٧١.