نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٨ - سورة الأعراف
[إن سأل سائل]و قال: ما تنكرون أن تكون هذه الآية دالة على جواز الرؤية عليه عز و جلّ!لأنّها لو لم تجز لم يسألها موسى عليه السّلام، كما لا يجوز أن يسأل اتّخاذ الصاحبة و الولد؛ و لو كانت أيضا الرؤية مستحيلة لم يعلّقها بأمر يصحّ أن يقع و هو استقرار الجبل. فإذا علمنا صحّة استقرار الجبل في موضعه فيجب أن تكون الرؤية أيضا صحيحة في حكم ما علّقت به. و قوله تعالى: فَلَمََّا تَجَلََّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ يقتضي جواز الحجاب عليه تعالى؛ لأنّ التجلّي و الظهور لا يكونان إلاّ بعد احتجاب و استتار.
الجواب: قلنا: أوّل ما نقوله إنّه ليس في مسألة الشيء دلالة على صحّة وقوعه و لا جوازه؛ لأنّ السائل يسأل عن الصحيح و المحال، مع العلم و فقد العلم؛ لأغراض مختلفة؛ فلا دلالة في ظاهر مسألة الرؤية على جوازها.
و لأصحابنا عن هذه المسألة أجوبة:
أوّلها: -و هو الأولى و الأقوى-أن يكون موسى عليه السّلام لم يسأل الرؤية لنفسه؛ و إنّما سألها لقومه، فقد روي أنّهم طلبوا ذلك منه و التمسوه، فأجابهم بأنّها لا تجوز عليه تعالى؛ فلم يقنعوا بجوابه، و آثروا أن يرد الجواب من قبل ربّه تعالى، فوعدهم ذلك، و غلب في ظنّه أنّ الجواب إذ ورد من جهته «جلّ و عزّ» كان أحسم للشبهة؛ و أبلغ في دفعها عنهم، فاختار السبعين الذين حضروا الميقات؛ ليكون سؤاله بمحضر منهم، فيعرفوا ما يرد من الجواب، فسأل و أجيب بما يدلّ على أنّ الرؤية لا تجوز عليه تعالى.
و يقوّي هذا الجواب أشياء:
منها: قوله تعالى: يَسْئَلُكَ أَهْلُ اَلْكِتََابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتََاباً مِنَ اَلسَّمََاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسىََ أَكْبَرَ مِنْ ذََلِكَ فَقََالُوا أَرِنَا اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ اَلصََّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اِتَّخَذُوا اَلْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُمُ اَلْبَيِّنََاتُ فَعَفَوْنََا عَنْ ذََلِكَ وَ آتَيْنََا مُوسىََ سُلْطََاناً مُبِيناً [١] .
و منها: قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يََا مُوسىََ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتََّى نَرَى اَللََّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصََّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ [٢] .
[١] سورة النساء، الآية: ١٥٣.
[٢] سورة البقرة، الآية: ٥٥.