نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٢٥ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
يقال له: إن الكلام في إلزامنا حمل الخبر على إيجاب الإمامة في الحال فقد مضى مستقصى، و الذي يبطل قول من ألزمنا وجوب النصّ به بعد عثمان ما تقدّم أيضا عند كلامنا في النصّ الجلي، و هو أن الأمة مجمعة على أن إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام بعد قتل عثمان لم تحصل له بنصّ من الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم تناول تلك الحال، و اختصّ بها دون ما تقدّمها، و يبطله أيضا أن كلّ من أثبت لأمير المؤمنين عليه السّلام النصّ على الإمامة بخبر الغدير أثبته على استقبال وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم من غير تراخ عنها.
فأمّا الأخبار التي أوردها على سبيل المعارضة فالإضراب عن ذكرها، و ترك تعاطي الانتصاف من المستدلّين بخبر الغدير لها أستر على موردها، و أوّل ما في هذه الأخبار أنّها لا تساوي و لا تداني خبر الغدير في باب الصحّة و الثبوت، و وقوع العلم؛ لأنا قد بيّنا فيما تقدّم تواتر النقل بخبر الغدير و وقوع العلم به لكلّ من صحّح الأخبار، و أنه ممّا أجمعت الأمة على قبوله، و إن كانوا مختلفين في تأويله [١] و ليس شيء من هذا في الأخبار التي ذكرها، على أن أصحابنا قديما قد تكلّموا على هذه الأخبار، و بيّنوا أن حديث الخلّة يناقض و يبطل آخره أوله؛ لأنهم يروون عنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنه قال: «لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت فلانا خليلا و لكن ودّا و اخاء إيمان» فأول الخبر يقتضي أن الخلة لم تقع، و آخره يقتضي
[١] أحصى شيخنا الأميني في الجزء الأول من الغدير رواة حديث الغدير فكانوا مائة و عشرة من الصحابة و أربعة و ثمانين من التابعين و ثلاثمائة و سبعة و خمسين من العلماء و معظمهم بل جميعهم من علماء السنّة و أحصى من أفرد التأليف في الغدير من علماء الفريقين فكانوا ستّة و عشرين عالما، و قال ابن كثير في البداية و النهاية ٥/٢٠٨ «و قد اعتنى بأمر هذا الحديث أبو جعفر محمد ابن جرير الطبري صاحب التفسير و التاريخ فجمع فيه مجلّدين أورد فيهما طرقه و ألفاظه، و كذلك الحافظ الكبير أبو القاسم ابن عساكر أورد أحاديث كثيرة في هذه الخطبة، و قال القندوزي في ينابيع المودّة ص ٣٦: حكي عن أبي المعالي الجويني الملقّب بإمام الحرمين أستاذ أبي حامد الغزالي رحمهما اللّه كان يتعجّب و يقول: رأيت مجلّدا في بغداد في يد صحّاف فيه روايات خبر غدير خم مكتوب عليه: المجلّدة الثامنة و العشرون من طرق قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلم: (من كنت مولاه فعليّ مولاه) «و يتلوه المجلدة التاسعة و العشرون» .