نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٣ - سورة الأعراف
و الإجماع الذي ذكرناه من كون هارون خليفة لأخيه موسى، و نائبا عنه في سياسة قومه، و القيام بامورهم، و ليس يجوز أن يكون خليفة له إلاّ ما يثبت له بالاستخلاف، و كان له التصرّف فيه من أجله، و هذا هو العرف المعقول في الاستخلاف، و في ثبوت هذه الجملة ما يقتضي كون هارون خليفة لأخيه في هذه الأمور، و أن يده إنّما تثبت عليها في حال حياته لمكان استخلافه، و إذا كنّا قد بيّنا لو بقي بعده لوجب أن يستمر حاله في هذه الولاية، و أن تغيّرها و انتقالها عنه يقتضي ما يمنع ثبوته منه، فقد تمّ ما قصدناه، و لم نجعل لأمير المؤمنين عليه السّلام منزلة لم يعلم ثبوتها لهارون من موسى عليه السّلام على ما ظن، و لم يبق في كلامه شبهة تتعلّق بها نفس أحد على أنه ابتدأ كلامه في الفصل بما ليس بصحيح؛ و ذلك أنه جعل الاستخلاف مؤثرا و إن انضم إلى النبوّة المقتضية لما تضمنه، و قال: «ليس يمتنع أن يكون للحكم الواحد سببان و علّتان» و هذا ظاهر الفساد؛ لأنّ الاستخلاف و إن كان متى لم يكن نبوّة مؤثّرا؛ فإنه لا تأثير له مع النبوّة على وجه من الوجوه، و وجوده كعدمه؛ لأن فائدة الاستخلاف هي حصول ولاية للمستخلف يجب به و يصحّ فيها تصرّف المستخلف بالعزل و التبديل و رفع اليد، فكيف يكون على هذا من له-لمكان النبوّة-القيام بأمر من الأمور، سواء كان ما يقوم به الأئمّة أو غيره من حقوق النبوّة خليفة [١] لغيره في ذلك الأمر و متصرّفا فيه لمكان استخلافه، و كما إن الاستخلاف لا تأثير له إذا طرأ على أمر توجبه النبوّة، كذلك لو تقدم فأثر، ثم طرأت عليه النبوّة، و اقتضت التصرّف في موجبه لمكانها لزال تأثيره، و ارتفع حكمه، و كما ان في الأحكام ما له سببان و علّتان كما ذكر، كذلك في الأسباب و العلل ما يكون مؤثرا إذا انفرد و إذا انضمّ إلى ما هو أقوى منه بطل تأثيره، و هذه الجملة تبيّن أن استخلاف موسى لأخيه لا بدّ أن يكون محمولا على أمر وجب له التصرّف فيه باستخلافه، و يثبت يده عليه من قبله.
[١] «خليفة» اسم كان في قوله: «فكيف يكون» .