نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٥ - سورة يوسف
قلنا: إنّما أراد الدعاء و المنازعة و الشهوة و لم يرد العزم على المعصية، و هو لا يبريء نفسه ممّا لا تعرى منه طباع البشر.
و في ذلك جواب آخر اعتمده أبو عليّ الجبائي و اختاره، و إن كان قد سبق إليه جماعة من أهل التأويل و ذكروه، و هو أنّ هذا الكلام الذي هو وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ إنما هو من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السّلام، و استشهدوا على صحة هذا التأويل بأنّه منسوق على الكلام المحكي عن المرأة بلا شكّ. ألا ترى أنّه تعالى قال: قََالَتِ اِمْرَأَةُ اَلْعَزِيزِ اَلْآنَ حَصْحَصَ اَلْحَقُ [١] أَنَا رََاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ اَلصََّادِقِينَ (٥١) `ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي كَيْدَ اَلْخََائِنِينَ (٥٢) `وَ مََا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ اَلنَّفْسَ لَأَمََّارَةٌ بِالسُّوءِ [٢] فنسق الكلام على كلام المرأة و على هذا التأويل يكون التّبرؤ من الخيانة الّذي هو ذََلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ من كلام المرأة لا من كلام يوسف عليه السّلام و يكون المكنّى عنه في قولها أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ هو يوسف عليه السّلام دون زوجها؛ لأنّ زوجها قد خانته في الحقيقة بالغيب، و إنّما أرادت إنّي لم أخن يوسف عليه السّلام و هو غائب في السجن، و لم أقل فيه لمّا سئلت عنه و عن قصّتي معه إلاّ الحقّ، و من جعل ذلك من كلام يوسف عليه السّلام جعله محمولا على انّي لم أخن العزيز في زوجته بالغيب، و هذا الجواب كأنّه أشبه بالظاهر؛ لأنّ الكلام معه لا ينقطع عن اتّساقه و انتظامه.
فإن قيل: فأيّ معنى لسجنه إذا كان عند القوم متبرّئا من المعصية متنزّها عن الخيانة.
قلنا: قد قيل: إنّ العلّة في ذلك الستر على المرأة و التمويه و الكتمان لأمرها حتى لا تفتضح و ينكشف أمرها لكلّ أحد، و الذي يشهد بذلك قوله تعالى: ثُمَّ بَدََا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مََا رَأَوُا اَلْآيََاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتََّى حِينٍ [٣] .
و جواب آخر في الآية على أنّ الهمّ فيها هو العزم [٤] : و هو أن يحمل الكلام
[١] حصحص الحق: بان بعد كتمانه.
[٢] سورة يوسف، الآيات: ٥١-٥٣.
[٣] سورة يوسف، الآية: ٣٥.
[٤] هذا الجواب يرتبط بأصل المسألة.