نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٧٧ - سورة يوسف
فإن قيل: فما البرهان الّذي رآه يوسف عليه السّلام حتّى انصرف لأجله عن المعصية؟و هل يصحّ أن يكون البرهان ما روي من أنّ اللّه تعالى أراه صورة ابيه يعقوب عليه السّلام عاضّا على إصبعه متوعدا له على مقاربة المعصية [١] ، أو يكون ما روي من أنّ الملائكة نادته بالنهي و الزجر في الحال فانزجر؟
قلنا: ليس يجوز أن يكون البرهان الّذي رآه فانزجر به عن المعصية ما ظنّه العامة من الأمرين اللذين ذكرناهما؛ لأنّ ذلك يفضي إلى الالجاء و ينافي التكليف و يضادّ المحنة، و لو كان الأمر على ما ظنّوه لما كان يوسف عليه السّلام يستحق بتنزيهه عمّا دعته إليه المرأة من المعصية مدحا و لا ثوابا، و هذا من أقبح القول فيه عليه السّلام؛ لأنّ اللّه تعالى قد مدحه بالامتناع عن المعصية و أثنى عليه بذلك فقال تعالى: كَذََلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ اَلسُّوءَ وَ اَلْفَحْشََاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبََادِنَا اَلْمُخْلَصِينَ ، فأمّا البرهان، فيحتمل أن يكون لطفا لطف اللّه تعالى به في تلك الحال أو قبلها، فاختار عنده الامتناع من المعاصي و التنزّه عنها، و هو الذي يقتضي كونه معصوما: لأن العصمة هي ما اختير عنده من الألطاف، التنزّه عن القبيح و الامتناع من فعله. و يجوز أن يكون معنى الرؤية ههنا بمعنى العلم، كما يجوز أن يكون بمعنى الإدراك؛ لأنّ كلا الوجهين يحتمله القول.
و ذكر آخرون: أنّ البرهان ههنا إنّما هو دلالة اللّه تعالى ليوسف عليه السّلام على تحريم ذلك الفعل، و على أنّ من فعله استحق العقاب؛ لأنّ ذلك أيضا صارف عن الفعل و مقوّ لدواعي الامتناع منه و هذا أيضا جائز [٢] .
- وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ أَهْلِهََا إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ (٢٦) `وَ إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلصََّادِقِينَ (٢٧) [يوسف: ٢٦-٢٧].
انظر المائدة: ٦٤ الأمر الأوّل من الأمالي، ٢: ٥.
[١] الدرّ المنثور: ٥: ٣٩٣.
[٢] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ٧٣ و راجع أيضا الأمالي، ١: ٤٥٢.