نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٥ - سورة هود
و إنّما أراد: أنّي لا أنسى ذلك ما حييت؛ و كذلك لا يمتنع أن يعلّق على هذا المذهب دوام العذاب بكونهم مستطيعين للسمع و الإبصار؛ و يعود المعنى إلى تعلّقه ببقائهم، و كونهم أحياء؛ و المرجع في ذلك إلى التأبيد لأنّه إذا علّق العذاب ببقائهم و إحيائهم علمنا أنّ الآخرة لا موت فيها، و لا خروج عن الحياة، علمنا تأبيد العذاب [١] .
[انظر أيضا الإسراء: ٤٨ من الأمالي، ٢: ١٤٥].
- وَ لاََ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كََانَ اَللََّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [هود: ٣٤].
[إن سأل سائل]فقال: أوليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنّ نصح النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم ينفع الكفّار الذين أراد اللّه تعالى بهم الكفر و الغواية، و هذا بخلاف مذهبكم!.
الجواب: قلنا: ليس في ظاهر الآية ما يقتضيه خلاف مذهبنا؛ لأنّه تعالى لم يقل إنّه فعل الغواية و أرادها؛ و إنّما أخبر أنّ نصح النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم لا ينفع إن كان اللّه يريد غوايتهم. و وقوع الإرادة لذلك أو جواز وقوعها لا دلالة عليه في الظاهر؛ على أنّ الغواية هاهنا الخيبة و حرمان الثواب؛ و يشهد بصحّة ما ذكرناه في هذه اللفظة قول الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد النّاس أمره # و من يغو لا يعدم على الغيّ لائما [٢]
فكأنّه قال: إن كان اللّه يريد أن يعاقبكم بسوء أعمالكم و كفركم، و يحرّمكم ثوابه فليس ينفعكم نصحي ما دمتم مقيمين على ما أنتم عليه؛ إلاّ أن تقلعوا و تتوبوا.
و قد سمّى اللّه تعالى العقاب غيّا، فقال: فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا [٣] ؛ و ما قبل هذه الآية يشهد بما ذكرناه؛ و أنّ القوم استعجلوا عقاب اللّه تعالى: قََالُوا يََا نُوحُ
[١] الأمالي، ١: ٥١٨.
[٢] البيت للمرقش الأصغر (المفضليات ٢٤٧-طبعة المعارف) .
[٣] سورة مريم، الآية: ٥٩.