نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٧٧ - سورة الأعراف
مجرى الموت في هذا الباب. و ليس لهم أن يقولوا: إذا جاز في العاقل الكامل أن ينسي ما كان عليه في حال الطفوليّة جاز ما ذكرناه؛ و ذلك أنّا إنّما أوجبنا ذكر العقلاء لما ادّعوه إذا كملت عقولهم من حيث جرى عليهم و هم كاملو العقول، و لو كانوا بصفة الأطفال في تلك الحال لم نوجب عليهم ما أوجبناه؛ على أنّ تجويز النّسيان عليهم ينقص الغرض في الآية، و ذلك أنّ اللّه تعالى أخبر بأنّه إنّما قرّرهم و أشهدهم لئلا يدّعوا يوم القيامة الغفلة عن ذلك، و سقوط الحجّة عنهم فيه؛ فإذا جاز نسيانهم له عاد الأمر إلى سقوط الحجّة و زوالها، و إن كانوا على الصّفة الثانية من فقد العقل و شرائط التكليف قبح خطابهم و تقريرهم و إشهادهم، و صار ذلك عبثا قبيحا؛ يتعالى اللّه عنه.
فإن قيل: قد أبطلتم تأويل مخالفيكم، فما تأويلها الصحيح عندكم؟
قلنا في هذه الآية وجهان:
أحدهما: أن يكون تعالى إنّما عنى بها جماعة من ذرّية بني آدم خلقهم و بلّغهم و أكمل عقولهم، و قرّرهم على ألسن رسلهم عليهم السّلام بمعرفته و ما يجب من طاعته، فأقرّوا بذلك، و أشهدهم على أنفسهم به؛ لئلا يقولوا يوم القيامة: إِنََّا كُنََّا عَنْ هََذََا غََافِلِينَ [١] ، أو يتعذروا بشرك آبائهم. و إنّما أتى من اشتبه عليه تأويل الآية من حيث ظنّ أنّ اسم الذرية لا يقع إلاّ على من لم يكن كاملا عاقلا؛ و ليس الأمر كما ظنّ، لأنّا نسمّي جميع البشر بأنّهم ذرية آدم؛ و إن دخل فيهم العقلاء الكاملون، و قد قال تعالى: رَبَّنََا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنََّاتِ عَدْنٍ اَلَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبََائِهِمْ وَ أَزْوََاجِهِمْ وَ ذُرِّيََّاتِهِمْ [٢] . و لفظ الصالح لا يطلق إلاّ على من كان كاملا عاقلا؛ فإن استبعدوا تأويلنا و حملنا الآية على البالغين المكلّفين؛ فهذا جوابهم.
و الجواب الثاني: أنّه تعالى لمّا خلقهم و ركّبهم تركيبا يدلّ على معرفته و يشهد بقدرته و وجوب عبادته، و أراهم العبر و الآيات و الدّلائل في أنفسهم و في
[١] سورة الأعراف، الآية: ١٧٢.
[٢] سورة غافر، الآية: ٨.