نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٠ - سورة الأنفال
و قال الشاعر:
ولي ألف وجه قد عرفت مكانه # و لكن بلا قلب إلى أين أذهب!
و هذا الوجه يقرب من الأوّل؛ لأنّه تعالى أخرج هذا الكلام مخرج الإنذار لهم، و الحثّ لهم على الطاعات قبل فوتها، لأنّه لا فرق بين تعذّر التوبة و انقطاع التكليف بالموت و بين تعذّرها بإزالة العقل.
و ثالثها: أن يكون المعنى المبالغة في الإخبار عن قربه من عباده و علمه بما يبطنون و يخفون؛ و أنّ الضمائر المكتومة له ظاهرة، و الخفايا المستورة لعلمه بادية؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ [١] و نحن نعلم أنّه تعالى لم يرد قرب المسافة، بل المعنى الذي ذكرناه.
و إذا كان عز و جل هو أعلم بما في قلوبنا منّا، و كان ما نعلمه أيضا يجوز أن ننساه، و نسهو عنه، و نضلّ عن علمه-و كلّ ذلك لا يجوز عليه-جاز أن يقول: إنّه يحول بيننا و بين قلوبنا؛ لأنّه معلوم في الشاهد أنّ كلّ شيء يحول بين شيئين فهو أقرب إليهما.
و لمّا أراد تعالى المبالغة في وصف القرب خاطبنا بما نعرف و نألف؛ و إن كان القرب الذي عناه جلّت عظمته لم يرد به المسافة، و العرب تضع كثيرا لفظة القرب على غير معنى المسافة؛ فيقولون: فلان أقرب إلى قلبي من فلان، و زيد منّي قريب، و عمرو منّي بعيد؛ و لا يريدون قرب المسافة.
و رابعها: -ما أجاب به بعضهم-من أنّ المؤمنين كانوا يفكّرون في كثرة عدوّهم، و قلة عددهم، فيدخل قولهم الخوف، فأعلمهم تعالى أنّه يحول بين المرء و قلبه، بأن يبدّله بالخوف الأمن؛ و يبدّل عدوّهم-بظنهم أنّهم قادرون عليهم و غالبون لهم-الجبن و الخور.
و يمكن في الآية وجه خامس: و هو أن يكون المراد أنّه تعالى يحول بين المرء و بين ما يدعوه إليه قلبه من القبائح؛ بالأمر و النهي و الوعد و الوعيد؛ لأنّا
[١] سورة ق، الآية: ١٦.