نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٢ - سورة آل عمران
[الثاني: سئل]كيف يصح مع استحالة ورود السمع بما ينافي المعلوم استدلالا يرد عنا؟فإن المعلوم ضرورة، و علم الضرورة أقوى لكونه من الشبهة أبعد و أقصى. و قد نهى اللّه سبحانه عن القول بأن الشهداء أموات، و أخبر أنهم أحياء عند ربّهم يرزقون، و قال بعد ذلك فَرِحِينَ بِمََا آتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاََّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ هذا مع العلم حسا و مشاهدة بموتهم، و كون أجسادهم طريحة لا حياة فيها مثل جسم مولانا الحسين عليه السّلام، و كونه بالطف طريحا، و بقاء رأسه مرئيا محمولا أيّاما، و قد انضاف إلى هذا العلم الضروري شهادات الحجج عليهم السّلام بأن الجسم الطريح جسمه و الرأس المحمول رأسه.
و كذلك القول في حمزة و جعفر عليهما السّلام و أن الكبد المأكولة كبد حمزة، و اليدين المقطوعتين يدا جعفر و قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم: قد أبدله بهما جناحين يطير بهما في الجنّة مع الملائكة [١] ، و روي أنه صلّى اللّه عليه و آله و سلم قال يوما: لقد اجتاز بي جعفر يطير في زمرة من الملائكة [٢] .
فإن كانت هذه الحياة المأمور بالقطع عليها على الفور، فهو دفع للضرورات و تكذيب المشاهدات و الشهادات و المتناقضة نفسها، و إن كانت على التراخي و في المعاد العام، ففيه بطلان ما اتّفقت الطائفة (حرسها اللّه عليه) بأن المسلم عند قبورهم مسموع الكلام مردود عليه الجواب، و لذلك يقولون عند زياراتهم:
أشهد أنك تسمع كلامي و ترد جوابي. و ذلك واجب المضي على ظاهره؛ لأن الانصراف عنه مع خروجه عن الاستحالة بحياتهم المقطوع عليها غير جائز، و إنّما ينصرف عن الظواهر إذا استحالت، أو منع منها دليل، فلينعم بما عنده في جميع ذلك مشروحا مبينا أعظم اللّه ثوابه و أكرم مآبه.
الجواب: إعلم أنه ليس في القول بأن الأئمّة و الشهداء و الصالحين بعد أن يموتوا و يفارقوا الحياة في الدنيا أحياء عند ربّهم يرزقون، مدافعة لضرورة و لا
[١] جامع الأصول، ١٧٦.
[٢] بحار الأنوار، ٢٢: ١٧٣، ٢٧٦.