نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٠٤ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
ضرّا أحسّت نباة من مكلّب [١]
و ما ذكره في هذا الباب أكثر من أن يحصى، و قد ذكر في تصريف ما يبني من الكاف و اللام و الباء أنّ المكلب هو المضري و المعلّم و قد فتّشنا سائر كتب أهل اللغة فما وجدنا أحدا منهم ذكر ذلك، و من اغترّ بقولهم: فلان كلب على كذا و تكلّب على كذا، فغير متأمل؛ لأنّ الكلب هاهنا هو العطش و المكلّب عندهم هو العطشان، و لا يقول أحد منهم: كلبت للطائر الجارح، إذا علّمه و اضراه؛ لأنّ هذه لفظة مستعملة من لفظ الكلاب فكيف تستعمل في غيرها، فإذا قيل: قد قالوا أسير مكلّب، قلنا: من قال ذلك فقد فسّره و قال: معنى مكلّب مشدود بالكلب الذي هو القيد، و لمّا كان الأسير المشدود بالقيد الذي هو الكلب قيل: مكلّب، و ما أنكرنا أن يكون المكلّب في موضع من المواضع يستعمل في غير الكلاب، و إنّما أنكرنا أن يكون المكلّب هو المعلّم و المغري و المضري، على أنّا لو سلّمنا هذه اللفظة و أنّها قد استعملت في التعليم و التمرين فذلك مجاز، و المعنى الذي ذكرنا استعمالها فيه حقيقة، و حمل القرآن على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، على أنّ قوله تعالى: وَ مََا عَلَّمْتُمْ مِنَ اَلْجَوََارِحِ مُكَلِّبِينَ يعني أن يكرّر و يقول: معلمين؛ لأنّ من حمل لفظة مكلّبين على التعليم لا بدّ من أن يلزمه التكرار، و إذا جعلنا ذلك مختصّا بالكلاب أفاد؛ لأنّه بيان؛ لأنّ هذا الحكم يتعلّق بالكلاب دون غيرها، و لو أبدلنا في الآية لفظة مكلّبين بمعلّمين لمّا حسنت، فكيف تحمل على معناها، و لو صرّحنا بها لكان الكلام قبيحا.
و يدلّ أيضا على ما ذهبنا إليه أنّ الجارح غير الكلب إذا صاد صيدا فقتله فقد حلّه الموت، و كلّ حيوان حلّه الموت فهو ميتة و يستحقّ هذا الاسم في الشريعة إلاّ أن تقوم دلالة شرعية على ذكاته، فلا يجري عليه حينئذ إسم الميتة و إن حلّه الموت، فان ادّعوا ذكاة ما حلّه الموت من صيد البازي و الفهد و ما أشبههما
[١] جمهرة اللغة، ١: ٣٢٦.