نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٤ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
كأفكل و أيدع [١] ؛ و كذلك «عبد» و إن كان قد استعمل استعمال الأسماء فلم يخرجه ذلك عن أن يكون صفة، و إذا لم يخرج عن أن يكون صفة لم يمتنع أن يبنى بناء الصفات على «فعل» .
و هذا كلام مفيد في الاحتجاج لحمزة؛ فإذا صحّت قراءة حمزة و عادلت قراءة الباقين المختارة، و صحّ أيضا سائر ما روي من القراءات التي حكاها السائل كان الوجه الأوّل الذي ذكرناه في الآية يزيل الشبهة فيها.
و يمكن في الآية وجه آخر على جميع القراءات المختلفة «في عبد الطّاغوت» : و هو أن يكون المراد بجعل منهم عبد الطاغوت؛ أي نسبه إليهم، و شهد عليه بكونه من جملتهم. و لـ «جعل» مواضع قد تكون بمعنى الخلق و الفعل؛ كقوله: وَ جَعَلَ اَلظُّلُمََاتِ وَ اَلنُّورَ [٢] ؛ و كقوله: وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْجِبََالِ أَكْنََاناً [٣] و هي هاهنا تتعدّى إلى مفعول واحد؛ و قد تكون أيضا بمعنى التسمية و الشهادة؛ كقوله تعالى: وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً [٤] ؛ و كقول القائل: جعلت البصرة بغداد، و جعلتني كافرا، و جعلت حسني قبيحا؛ و ما أشبه ذلك؛ فهي هاهنا تتعدّى إلى مفعولين.
و لـ «جعل» مواضع أخر لا حاجة بنا إلى ذكرها؛ فكأنّه تعالى قال: و نسب عبد الطاغوت إليهم، و شهد أنّهم من جملتهم.
فإن قيل: لو كانت «جعل» هاهنا على ما ذكرتم لوجب أن يكون متعدّية إلى مفعولين؛ لأنّها إذا لم تتعدّ إلاّ إلى مفعول واحد فلا معنى لها إلاّ الخلق.
قلنا: هذا غلط من متوهّمه؛ لأنّ «جعل» هاهنا متعدّية إلى مفعولين، و قوله تعالى: مِنْهُمُ* يقول مقام المفعول الثاني عند جميع أهل العربية، لأنّ كلّ جملة تقع في موضع خبر المبتدأ فهي تحسن أن تقع في موضع المفعول الثاني؛ كجعلت و ظننت و ما أشبههما. و قال الشاعر:
[١] الأفكل: الرعدة، و الأيدع: صبغ أحمر؛ و هو المسمى دم الأخوين.
[٢] سورة الأنعام، الآية: ١.
[٣] سورة النحل، الآية: ٨١.
[٤] سورة الزخرف، الآية: ١٩.