نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٢ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
أنّه خلق ما به كان عابدا للطاغوت؛ و ذلك إنّما استفدنا ما ذكروه من الأوّل؛ لأنّ الدليل قد دلّ على أنّ به يكون القرد قردا و الخنزير خنزيرا؛ لا يكون إلاّ من فعله.
و ليس ما به يكون الكافر كافرا مقصورا على فعله تعالى؛ بل قد دلّ الدليل على أنّه يتعالى عن فعل ذلك و خلقه، فافترق الأمران.
و في الآية وجه آخر: و هو أن لا يكون قوله تعالى: وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ معطوفا على القردة و الخنازير؛ بل معطوفا على مَنْ لَعَنَهُ اَللََّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ ؛ و تقدير الكلام: من لعنه اللّه، و من غضب عليه، و من عبد الطاغوت، و من جعل اللّه منهم القردة و الخنازير؛ و هذا هو الواجب؛ لأنّ «و عبد» فعل، و الفعل لا يعطف على الاسم، فلو عطفناه على القردة و الخنازير لكنّا قد عطفنا فعلا على اسم، فالأولى عطفه على ما تقدّم من الأفعال.
و قال قوم: يجوز أن يعطف وَ عَبَدَ اَلطََّاغُوتَ على الهاء و الميم في «منهم» ؛ فكأنه تعالى جعل منهم، و من عبد الطاغوت القردة و الخنازير؛ و قد يحذف «من» في الكلام؛ قال الشاعر:
أمن يهجو رسول اللّه منكم # و يمدحه و ينصره سواء [١]
أراد: و من يمدحه و ينصره.
فإن قيل: فهبوا هذا التأويل ساغ في قراءة من قرأ بالفتح، أين أنتم عن قراءة من قرأ «و عبد» بفتح العين و ضمّ الباء، و كسر التاء من «الطاغوت» ، و من قرأ «عبد الطّاغوت» بضم العين و الباء، و من قرأ: «و عبّد الطّاغوت» بضم العين و التشديد، و من قرأ: «و عبّاد الطّاغوت» !.
قلنا: المختار من هذه القراءة عند أهل العربية كلّهم القراءة بالفتح، و عليها جميع القرّاء السبعة؛ إلاّ حمزة فإنّه قرأ؛ «عبد» بفتح العين و ضم الباء، و باقي القراءات شاذة غير مأخوذ بها.
[١] البيت لحسان، ديوانه: ٩٠، و روايته: «فمن يهجو. » .