نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨١ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
[كيف يجوز أن يخبرنا بأنّه]جعلهم؛ كفّارا و خلق كفرهم!و الكلام خرج مخرج الذّم لهم؛ و التوبيخ على كفرهم، و المبالغة في الإزراء عليهم!و أيّ مدخل لكونه خالقا لكفرهم في باب ذمّهم!و أيّ نسبة بينه و بين ذلك!بل لا شيء أبلغ في عذرهم و براءتهم من أن يكون خالقا لما ذمّهم من أجله. و هذا يقتضي أن يكون الكلام متناقضا مستحيل المعنى؛ و نحن نعلم أنّ أحدا إذا أراد ذمّ غيره، و توبيخه و تهجينه بمثل هذا الضرب من الكلام إنّما يقول: ألا أخبركم بشرّ الناس و أحقّهم بالذم و اللوم!من فعل كذا، و صنع كذا؛ و كان على كذا و كذا؛ فيعدّد من الأحوال و الأفعال قبائحها، و لا يجوز أن يدخل في جملتها ما ليس بقبيح؛ و لا ما هو من فعل الذامّ و من جهته؛ حتى يقول في جملة ذلك: و من شاغل بالصّنعة الفلانية التي أسلمها إليه و حمله عليها؛ و إن عقلا يقبل هذه الشبهة لعقل ضعيف سخيف.
فإن قيل: أليس قد ذمّهم في الكلام بأن جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا صنع لهم في ذلك!فكذلك يجوز أن يذمّهم و يجعلهم عابدين للطاغوت؛ و إن كان من فعله!.
قيل: إنّما جعلهم قردة و خنازير عقوبة لهم على أفعالهم و باستحقاقهم، فجرى ذلك مجرى أفعالهم، كما ذمّهم بأن لعنهم و غضب عليهم؛ من حيث استحقّوا ذلك منه تعالى بأفعالهم و عبادتهم للطاغوت؛ فإن كان هو خلقها فلا وجه لذمّهم بها؛ لأنّ ذلك ممّا لا يستحقّونه بفعل متقدّم كاللّعن و المسخ.
ثم نعود إلى تأويل الآية فنقول: لا ظاهر للآية يقتضي ما ظنّوه، و أكثر ما تضمّنته الأخبار بأنّه جعل و خلق من يعبد الطاغوت كما جعل منهم القردة و الخنازير؛ و لا شبهة في أنّه تعالى هو خالق الكافر، و أنّه لا خالق له سواه؛ غير أن ذلك لا يوجب أنّه خلق كفره و جعله كافرا.
و ليس لهم أن يقولوا: كما نستفيد من قوله: وَ جَعَلَ مِنْهُمُ اَلْقِرَدَةَ وَ اَلْخَنََازِيرَ أنّه جعل ما به كانوا كذلك؛ هكذا نستفيد من قوله: جعل منهم من عبد الطاغوت