نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٧٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
الكرب عن وجه الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و هو الذي لم يحجم قط عن قرن، و لا نكص عن هول، و لا ولّى الدبر، و هذه حال لم يسلم لأحد قبله و لا بعده، و كان عليه السّلام للاختصاص بالآية أولى؛ لمطابقة أوصافه لمعناها، و قد ادّعى قوم من أهل الغباوة و العناد أن قوله تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ المراد به أبو بكر من حيث قاتل أهل الردّة.
و لسنا نعرف قولا أبعد من الصواب من هذا القول، حتّى أنه ليكاد أن يعلم بطلانه ضرورة؛ لأن اللّه تعالى إذا كان قد وصف من أراده بالآية بالعزة على الكافرين، و بالجهاد في سبيله مع اطراح خوف اللوم، كيف يجوز أن يظن عاقل توجّه الآية إلى من لم يكن له حظ من ذلك الوصف؟لأنّ المعلوم أن أبا بكر لم يكن له نكاية في المشركين، و لا قتيل في الاسلام، و لا وقف في شيء من حروب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم موقف أهل البأس و العناء، بل كان الفرار سنّته و الهرب ديدنه، و قد انهزم عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم في جملة المنهزمين في مقام بعد مقام، و كيف يوصف بالجهاد في سبيل اللّه على الوجه المذكور في الآية من لا جهاد له جملة، و هل العدول بالآية عن أمير المؤمنين عليه السّلام مع العلم الحاصل لكل أحد بموافقة أوصافه بها إلى أبي بكر إلاّ عصبيّة ظاهرة، و انحراف شديد.
و قد روي نزولها في قتال أمير المؤمنين عليه السّلام أهل البصرة عنه عليه السّلام نفسه، و عن عبد اللّه بن عباس. و عمار بن ياسر رضي اللّه عنهما و إذا عضد ما ذكرناه من مقتضى الآية الرواية زالت الشبهة، و قويت الحجّة على أن صاحب الكتاب قد وهم في الحكاية عن أبي مسلم، و حكى عنه ما لم يقله، و لا يقتضيه صريح قوله و لا معناه؛ لأن الذي قاله أبو مسلم بعد إنشاد البيت: «و الذي وصفهم به من الركوع في هذا المعنى هو الذي وصف به من أوعد المرتدين بالإتيان بهم بدلا منهم من الذلة على المؤمنين، و العزّة على الكافرين» هذه ألفاظه بعينها في كتابه في تفسير القرآن؛ و هي بخلاف حكاية صاحب الكتاب؛ لأن أبا مسلم جعل الوصف في الآيتين واحدا، و لم يقل: ان الموصوف واحد، و صاحب الكتاب حكى عنه