نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٥٠٠
و هذا الذي أشرنا إليه هو معنى كلّ ما جرى مجرى هذا البيت؛ من قول الشاعر [١] :
و أجهشت للتّوباذ حين رأيته # و كبّر للرّحمن حين رآني [٢]
فقلت له: أين الذين عهدتهم # بجنبك في خفض و طيب زمان!
فقال: مضوا، و استودعوني بلادهم # و من ذا الذي يبقى على الحدثان!
و من المحذوف أيضا قوله تعالى: إِذََا جََاؤُهََا وَ فُتِحَتْ أَبْوََابُهََا وَ قََالَ لَهُمْ خَزَنَتُهََا سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ [٣] ؛ و لم يأت لإذا جواب في طول الكلام، و إنّما حسن حذف الجواب الذي هو: «فدخلوها» لو ورد ما يقوم مقامه؛ و يدلّ عليه من قوله تعالى: وَ قََالُوا اَلْحَمْدُ لِلََّهِ اَلَّذِي صَدَقَنََا وَعْدَهُ [٤] و ذلك لا يكون إلاّ بعد الدخول؛ و مثل ذلك قول امرئ القيس:
فلو أنّها نفس تموت سويّة # و لكنّا نفس تساقط أنفسا [٥]
فحذف جواب «لو» و الجواب هو: «لكان ذلك أروح لها و أخفّ عليها» ؛ و مثله قول الهذليّ [٦] :
حتى إذا أسلكوهم في قتائدة # شلا كما تطرد الجمّالة الشّردا [٧]
و مثل هذا كلّه في الحذف: إنّما أتمنّى كذا لو أعطيته؛ و ظاهر هذا الكلام كأنّه مشروط و كأنّه قال: إنّني أتمنّاه إذا أعطيته؛ و الأمر بالضدّ من ذلك؛ و المعنى: لو أعطيته لبلغت مناي، و لنفعني؛ و ما أشبه ذلك المعنى [٨] .
- يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ [الرعد: ٣٩].
أنظر المقدّمة الرابعة، الأمر التاسع.
[١] هو المجنون. الأغاني ١/١٧٩.
[٢] التوباذ: جبل في نجد؛ و الأبيات أيضا في معجم البلدان (٢/٤٢٤) من غير عزو.
[٣] سورة الزمر، الآية: ٧٣.
[٤] سورة الزمر، الآية: ٧٤.
[٥] ديوانه: ١٤٢؛ و قوله: «تساقط، أي يموت بموتها بشر كثير» .
[٦] هو عبد مناف بن ربع الهذلي؛ ديوان الهذليين ٢/٤٢.
[٧] قتائدة: موضع، و الجمالة: أصحاب الجمال. مرت سابقا في الجزء الأول.
[٨] الأمالي، ٢: ٢٦٥.
غ