نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩٢ - سورة الأنفال
لعددهم، و فلّ لحدّهم؛ و حسم لأطماعهم، لأنّهم متى كثروا و قووا استلانوا جانب المؤمنين؛ و أقدموا عليهم بالقتل و صنوف المكاره؛ فمن هاهنا كانت الاستجابة له صلّى اللّه عليه و آله و سلم في القتال تقتضي الحياة و البقاء؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ لَكُمْ فِي اَلْقِصََاصِ حَيََاةٌ [١] .
و ثالثها: ما قاله قوم من أنّ كلّ طاعة حياة، و يوصف فاعلها بأنّه حيّ، كما أنّ المعاصي يوصف فاعلها بأنّه ميت، و الوجه في ذلك أنّ الطائع لمّا كان منتفعا بحياته، و كانت تؤديه إلى الثواب الدائم قيل: إنّ الطاعة حياة؛ و لمّا كان الكافر العاصي لا ينتفع بحياته؛ من حيث كان مصيره إلى العقاب الدائم كان في حكم الميّت؛ و لهذا يقال لمن كان منغّص الحياة، غير منتفع بها؛ فلان بلا عيش و لا حياة، و ما جرى مجرى ذلك من حيث لا ينتفع بحياته.
و يمكن في الآية وجه آخر: و هو أن يكون المراد بالكلام الحياة في الحكم لا في الفعل؛ لأنّا قد علمنا أنّه عليه السّلام كان مكلّفا مأمورا بجهاد جميع المشركين المخالفين لملّته و قتلهم، و إن كان فيما بعد كلّف ذلك فيمن عدا أهل الذمة على شروطها؛ فكأنّه تعالى قال: فاستجيبوا للرسول و لا تخالفوه، فإنّكم إذا خالفتم كنتم في الحكم غير أحياء، من حيث تعبّد صلّى اللّه عليه و آله و سلم بقتالكم و قتلكم، فإذا أطعتم كنتم في الحكم أحياء؛ و يجري ذلك مجرى قوله تعالى: وَ مَنْ دَخَلَهُ كََانَ آمِناً [٢] ؛ و إنّما أراد تعالى أنّه يجب أن يكون آمنا؛ و هذا حكمه، و لم يخبر بأنّ ذلك لا محالة واقع.
فأمّا المجبّرة فلا شبهة لهم في الآية، و لا متعلّق بها؛ لأنّه تعالى لم يقل:
إنّه يحول بين المرء و بين الإيمان، بل ظاهر الآية لا يقتضي أنّه يحول بينه و بين أفعاله، و إنّما يقتضي ظاهرها أنّه يحول بينه و بين قلبه؛ و ليس للإيمان و لا للكفر ذكر، و لو كان للآية ظاهر يقتضي ما ظنّوه-و ليس لها ذلك-لانصرفنا عنه بأدلة
[١] سورة البقرة، الآية: ١٧٩.
[٢] سورة آل عمران، الآية: ٩٧.