نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٥٠ - سورة الأعراف
فأما حديث الصلاة فقد بيّنا فيما تقدّم أن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم لم يولها أبا بكر، و شرحنا الحال التي جرت عليها و بيّنا أن ولاية الصلاة لو ثبتت لم تدلّ على الإمامة، و ذلك يسقط التعلق بالصلاة في الموضعين.
فأما قوله: «إنّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم لما بعث أمير المؤمنين عليه السّلام إلى اليمن استخلف على المدينة غيره عند خروجه في حجّة الوداع» فإنه غير مناف للطريقين معا في تأويل الخبر؛ لأنّ من ذهب إلى أن الخلافة في الحياة لم تستمر إلى بعد الوفاة لا شبهة في سقوط هذا الكلام عنه، و من ذهب إلى استمرارها إلى بعد الوفاة يقول: ليس يقتضي استخلافه عليه السّلام في المدينة أكثر من أن يكون له عليه السّلام أن يتصرف في أهلها بالأمر و النهي و ما جرى مجراهما على الحدّ الذي كان يتصرف عليه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلم، و ليس يقتضي هذا المعنى المنع من تصرّف غيره على وجه من الوجوه؛ لأنّه إذا جاز للمستخلف غيره في موضع من المواضع أن يتصرّف فيه مع استخلافه عليه، و لا يمنع استخلافه من تصرّفه في أهله بالأمر و النبي جاز للمستخلف في موضع من المواضع لزيد أن يستخلف عمرا على ذلك الموضع، أما في حال غيبته زيدا [١] و مع حضوره، و لا يكون استخلافه للثاني عزلا للأوّل، كما لا يكون تصرّفه نفسه عزلا له عن الموضع الذي جعل إليه التصرّف فيه، و يكون فائدة استخلافه لكلّ واحد من هذين أن يكون له التصرّف فيما استخلف فيه، و كيف يكون إيجاب تصرّف أحدهما بعد الآخر عزلا للأوّل و مانعا من جواز تصرّفه، و نحن نعلم أنّه قد يجوز أن يستخلف على الموضع الواحد الاثنان و الجماعة؟و هذه الجملة تأتي على جميع ما حكيناه في الفضل من كلامه.
قال صاحب الكتاب: بعد كلام لم نورده؛ لأن نقضه قد مضى في كلامنا:
«و اعلم أنه لا يمتنع أن يكون استخلاف موسى لهارون محمولا على وجه يصحّ؛ لأنّه سبب للقيام بالأمر كما أن النبوّة سبب لذلك، و ليس يمتنع في كثير من الأحكام أن يحصل فيها سببان و علّتان، و إذا علمنا أنه لو لا النبوة لكان له أن
[١] «زيدا» منصوبة بيستخلف مقدّرة.