نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢٤٩ - ضرّا أحسّت نباة من مكلّب
فأمّا دليلنا على طهارة دم السمك فهو بعد إجماع الفرقة المحقّة قوله تعالى:
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ وَ طَعََامُهُ يقتضي إباحة ظاهرة، و إباحة لكلّ سمك و طهارة لجميع أجزائه؛ لأنّ التّحليل يقتضي الإباحة من جميع الوجوه.
و يدلّ عليه أيضا قوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاََّ أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ [١] فأخبر تعالى أنّ ما عدا المسفوح ليس بمحرّم، و دم السمك ليس بمسفوح فوجب ألاّ يكون محرّما [٢] .
[الثاني: ]و ممّا انفردت به الإمامية تحريم أكل الثعلب و الأرنب و الضب، و من صيد البحر السمك الجريّ و المارما هي و الزمّار و كل ما لا فلس له من السمك، و خالف باقي الفقهاء في ذلك إلاّ أنّه روي عن أبي حنيفة و أصحابه موافقتنا في الثعلب خاصة [٣] .
و روي عنهم أيضا كراهية أكل الضبّ، و رووا كلّهم في خبر معروف رواه الأعمش قال: نزلنا أرضا كثيرة الضباب، و أصابتنا مجاعة فطبخنا منها و أنّ القدر لتغلي بها إذ جاءنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم فقال: ما هذا؟قلنا ضباب أصبناها، فقال صلّى اللّه عليه و آله و سلم: إنّ أمّة من بني إسرائيل مسخت، و أرانا في تلك الأرض و إنّي أخشى أن تكون هذه منها فاكفوها [٤] .
و هذا الخبر يقتضي-كما نراه-أنّ الضبّ مع تحريمه مسخ، و هو قول الإمامية؛ لأنّهم يعدون الضبّ من جملة المسوخ التي هي الفيل و الأرنب و الدبّ و العقرب و الضب و العنكبوت و الجري و الوطواط و القرد و الخنزير، و لا يزال مخالفوهم إذا سمعوا منهم ذكر هذه المسوخ التي ما اعتمدوا في أنّها مسوخ إلاّ على الرواية تضاحكوا منهم و استهزؤا بهم و نسبوهم إلى الغفلة و بعد الفطنة و هم يروون عن طرقهم و عن رجالهم مثل ما عجبوا منه بعينه، و اللّه المستعان.
و الذي يدلّ على صحّة ما ذهبنا إليه الاجماع المتردد، و إن شئت أن تبني
[١] سورة الأنعام، الآية: ١٤٥.
[٢] الناصريات: ٩٤.
[٣] المغني (لابن قدامة) ، ١١: ٦٧.
[٤] شرح معاني الآثار، ٤: ١٩٧.