نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٩١ - سورة الأنفال
نعلم أنّه تعالى لو لم يكلّف العاقل مع ما فيه من الشهوات و النفار لم يكن له عن القبيح مانع؛ و لا عن مواقعته رادع؛ فكأنّ التكليف حائل بينه و بينه؛ من حيث زجر عن فعله، و صرف عن مواقعته؛ و ليس يجب في الحائل أن يكون في كلّ موضع ممّا يمتنع معه الفعل؛ لأنّا نعلم أن المشير منّا على غيره في أمر كان قد همّ به و عزم على فعله أن يجتنبه، و المنبّه له على أنّ الحظّ في الانصراف عنه يصحّ أن يقال: منعه و حال، بينه و بين فعله، قال عبيد اللّه بن قيس الرقيات [١] :
حال دون الهوى و دو # ن سرى اللّيل مصعب
و سياط على أكـ # فّ رجال تقلّب
و نحن نعلم أنّه لم يحل إلاّ بالتخويف و الترهيب دون غيرهما.
فإن قيل: كيف يطابق هذا الوجه صدر الآية؟
قلنا: وجه المطابقة ظاهر، لأنّه تعالى أمرهم بالاستجابة للّه تعالى و لرسوله فيما يدعوان إليه من فعل الطاعات، و الامتناع من المقبّحات، و أعلمهم أنّه بهذا الدعاء و الإنذار و ما يجري مجراها يحول بين المرء و بين ما تدعوه إليه نفسه من المعاصي؛ ثمّ إنّ المآب بعد هذا كلّه إليه و المنقلب إلى ما عنده؛ فيجازي كلاّ باستحقاقه.
فأمّا قوله تعالى: إِذََا دَعََاكُمْ لِمََا يُحْيِيكُمْ ففيه وجوه:
أوّلها: أن يريد بذلك الحياة في النعيم و الثواب، لأنّ تلك هي الحياة الدائمة الطيبة التي يؤمن من تغيّرها، و لا يخاف انتقالها، فكأنّه تعالى حثّ على إجابته التي تكسب هذه الحال.
و ثانيها: أنّه يختصّ ذلك بالدعاء إلى الجهاد و قتال العدوّ، فكأنّه تعالى أمرهم بالاستجابة للرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلم فيما يأمرهم به من قتال عدوّهم؛ و دفعهم عن حوزة الإسلام و أعلمهم أنّ ذلك يحيهم من حيث كان فيه قهر للمشركين، و تقليل
[١] حاشية بعض النسخ: «كان جده شاعرا يشبب بجماعة من النساء، اسم كل واحدة منهن رقية؛ فأضيف إليهن» .
غ