نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٧ - سورة هود
و ثالثها: أن يكون المراد بـ «وفار التّنّور» أي برز النّور، و ظهر الضوء، و تكاثفت حرارة دخول النهار، و تقضّي الليل. و هذا القول يروى عن أمير المؤمنين عليه السّلام.
و رابعها: أن يكون المراد بالتنّور الذي يختبز فيه على الحقيقة؛ و أنّه تنور كان لآدم عليه السّلام. و قال قوم: إن التّنّور كان في دار نوح عليه السّلام بعين وردة [١] من أرض الشام. و قال آخرون: بل كان التنّور في ناحية الكوفة؛ و الذي روي عنه أنّ التنّور هو تنّور الخبز الحقيقي ابن عباس و الحسن و مجاهد و غيرهم.
و خامسها: أن يكون معنى ذلك: اشتدّ غضب اللّه تعالى عليهم، و حلّ وقوع نقمته بهم؛ و ذكر تعالى التّنّور مثلا لحضور العذاب، كما تقول العرب: قد حمي الوطيس؛ إذا اشتدّ الحرب، و عظم الخطب. و الوطيس هو التّنّور. و تقول العرب أيضا: قد فارت قدر القوم إذا اشتد حربهم؛ قال الشاعر:
تفور علينا قدرهم فنديمها # و نفثؤها عنّا إذا حميها غلا [٢]
أراد بقدرهم حربهم، و معنى نديمها: نسكّنها، و من ذلك الحديث المروي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلم أنّه نهى عن البول في الماء الدائم؛ يعنى الساكن. و يقال: قد دوّم الطائر في الهواء، إذا بسط جناحيه و سكنهما و لم يخفق بهما. و نفثؤها، معناه نسكّنها؛ يقال: فثأت غضبه عنّي، و فثأت الحارّ بالبارد إذا كسرته به.
و سادسها: أن يكون التنّور الباب الذي يجتمع فيه ماء السفينة؛ فجعل فوران الماء منه و السفينة [٣] على الأرض علما على ما أنذر به من إهلاك قومه؛ و هذا القول يروى عن الحسن.
و أولى الأقوال بالصواب قول من حمل الكلام على التنّور الحقيقي؛ لأنّه
[١] في حاشية بعض النسخ: وردة: اسم امرأة: تنسب العين إليها.
[٢] البيت في اللسان (فثأ) ، و مقاييس اللغة (٢/٣١٥) منسوبا إلى النابغة الجعدي.
[٣] ضبطت في الأصل بالفتح و الضم معا؛ و في حاشية بعض النسخ: إذا نصب كان عطفا على «فوران» و يكون «على الأرض» حالا؛ و الرفع أولى.