نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٤ - سورة هود
ودّع هريرة إنّ الرّكب مرتحل # و هل تطيق وداعا أيّها الرّجل [١]
و نحن نعلم أنّه قادر على الوداع؛ و إنّما نفى قدرته عليه من حيث الكراهة و الاستثقال. و معنى: «و ما كانوا يبصرون» أي أن إبصارهم لم يكن نافعا لهم؛ و لا مجديا عليهم؛ مع الإعراض عن تأمّل آيات اللّه تعالى و تدبّرها؛ فلمّا انتفت عنهم منفعة الإبصار جاز أن ينفي عنهم الإبصار نفسه؛ كما يقال للمعرض عن الحقّ، العادل عن تأمّله: مالك لا تبصر، و لا تسمع؛ و لا تعقل؟و ما أشبه ذلك.
و الوجه الثالث: [أن يكون معنى نفى السمع و البصر]راجعا إلى آلهتهم لا إليهم؛ و تقدير الكلام: أولئك و آلهتهم لم يكونوا معجزين في الأرض، يضاعف لهم العذاب؛ ثمّ قال مخبرا عن الآلهة: «ما كانوا يستطيعون السّمع و ما كانوا يبصرون» ، و هذا الوجه يروي عن ابن عباس «رحمة اللّه عليه» ، و فيه أدنى بعد.
و يمكن في الآية وجه رابع: و هو أن يكون ما في قوله تعالى: مََا كََانُوا يَسْتَطِيعُونَ اَلسَّمْعَ ليست للنفي؛ بل تجري مجرى قولهم: لأواصلنّك ما لاح نجم؛ و لأقيمنّ على مودّتك ما طلعت شمس؛ و يكون المعنى أنّ العذاب يضاعف لهم في الآخرة؛ ما كانوا يستطيعون السمع و ما كانوا يبصرون؛ أي أنّهم معذّبون ما كانوا أحياء.
فإن قيل: كيف يعبّر عن كونهم أحياء باستطاعة السمع و الإبصار؛ و قد يكون حيّا من لا يكون كذلك؟
قلنا: للعرب في مثل هذا عادة؛ لأنّهم يقولون: و اللّه لا كلّمت فلانا ما نظرت عيني، و مشت قدمي؛ و هم، يريدون: ما بقيت و حييت؛ لأنّ الأغلب من أحوال الحيّ أن تنظر عينه، و تمشي قدمه؛ فجعلوا الأغلب كالواجب؛ و من ذلك قول الشاعر:
و ما أنس من شيء تقادم عهده # فلست بناس ما هدت قدمي نعلي
عشيّة قالت و الدّموع تعينها: # هنيئا لقلب عنك لم يسله مسلي
[١] ديوانه: ٤١.